فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 198

وهكذا صار التاريخ من خلال القراءة الجاهلة له، وبسبب غياب القراءة القرآنية له سببًا لتأييد مذاهب الضلال والانحراف، ولذلك من مهمات المصلحين؛ الرد على هذه القراءات الجاهلة وبيان افترائها على الحقيقة. وهذا الأمر؛ وهو التأريخ، يكاد يغيب اليوم عن فعل أهل الإسلام، فالتاريخ المعاصر يكتبه الأعداء، والباحثون عن الحقائق والأحداث لا يكادون يعرفون، فرجال الإسلام متهمون، وتغلب عليهم أوصاف أهل الجاهلية، ومسيرة الحوادث التي يكتبها الطغاة وأعداء الأُمَّة تصاغ على وجه يُعَظم فيه الخائن والخبيث، ويُتهَم فيه العالِم، فهذا جانب مقفر في الحياة الإسلامية، وفي كل الأقطار، وعلى كل المستويات، وفي كل طبقات التاريخ المعاصر، مع أن فيه من الأحداث التي لا تقل قيمة عن تلك التي كتبها السابقون في كتبهم.

إنها مهمةٌ قرآنية تركها أهل الورّاقة وذلك لعظمتها وثقل حملها، كما أن رواية التاريخ أمانةٌ تعدل أمانة تبليغ الحق وقول كلمته، وهو الذي يبغضه الطغاة، لأنه يكشف الزيف والكذب، فالداخل في هذا الباب هو مع من عناهم رسول الله (بقوله:(( أَفْضَل الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر ) )، لأن رواية الحقائق تكشف سفالاتهم وسفالات آبائهم وطوائفهم وأحزابهم.

وقوله تعالى: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ (إرشادٌ قرآني في الفصل والاختيار، فإن التعقّل حكم قرآني في تحقيق الصواب بين المختلفات، ذلك لأن للعقل بداهات فطرية يقينية، وقد أقامها الله في نفوس الناس حجة وإعانة لهم في إدراك الصواب واجتناب الخطأ، وأحكام الفطرة عند أهل الإسلام يقينيةٌ قاطعة، وهي حججٌ شرعية يحصل بها الثواب والعقاب، ولكن جعل الله شرط الجزاء معلقًا على الرسل فقال سبحانه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (، وإنكار حقائق الفِطرة اليقينية إنكارٌ للشرع سواءٌ بسواء، لكن هذه الأحكام الفِطريّة، وهي قاسم مشترك في الأسوياء غير تلك التي يضعها الناس من عندهم ويزعمون أنها أحكام العقل التي تحكم على الشرع وتوجب تأويله، فالعقل الفطري غير العقل الصناعي، إذ الأول وضعٌ إلهي في فطرة البشر، والثاني اكتسابٌ يكون فيه الصحيح والخطأ، ويطرأ عليه ما يطرأ على كل مكتسبٍ خارجي من دخول عوامل خارجة عن الفطرة كالبيئة والتلقين وضعف الملاحظة وفساد النتائج والتقليد.

هذا كله من جهة قيم العقل ومعاييره، أمّا من جهة ذاته فهو ليس معيارًا، ولا هو علمًا، بل هو عند أهل الإسلام مجرد غريزة، وتسمية العقل غريزة عند أهل الإسلام مأخوذٌ من عدم وجود مدحٍ له، فلا يوجد في الكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت