فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 198

وهذه المسألة، وهي الخلاف حول تفسير التاريخ تصنع على وفقها المذاهب والأديان والعقائد، بل إن الواقع يشهد أن عقيدة قوم حول مفهوم التاريخ هي التي تصنع صراعاتهم وحروبهم، كما هو قولهم قديمًا وحديثًا بعقيدة نهاية التاريخ، إذ أوجدت هذه العقيدة مفهوم إبطال العقائد، كما أفرزت فيهم الغرور بعدم النظر لعواقب أفعالهم، وقد حصل المكر الإلهي بهم بأسرع مما توقع خصومهم لا هم.

وقوله تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ (دليلٌ لأهل الإسلام وعلمائه في التاريخ وكتابته، فهذه الآية وقوله تعالى في المؤمنون: (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (علّمت المسلمين أن بقاء حوادث التاريخ حاضرة بين يدي الأجيال، هي مهمة إيمانية، فكما أنها سُنّة الله تعالى في كتابه، فهي كذلك مهمة عبيده، ولذلك كان هذا النشاط - وهو التاريخ - فعلًا مبكرًا في هذه الأُمَّة هو ذكره رواية مجردًا، ليتلقى الناس الخبر كما هو من لسان راويه دون دخول الآراء في الخبر والحدث، إذ رواية التاريخ هي عينها وسيلة رواية السُنّة النبوية مع اختلاف مراتب التوثيق فيها، فالاعتناء بالتاريخ ليس بدعًا من الأمر، ولا يجوز أن تتخذ مناهج دراسة من الآخرين، بل إن روايته ودراسته هي صناعةٌ إسلاميةٌ بحتة، وعملية سرقة التاريخ وتحليله من قِبَل الماديين والقوميين أفسدت التاريخ، وأفسدت عقائد الناس، ولذلك كان اهتمام الآخر بتاريخنا اهتمامًا مبكرًا، إذ أول طلائع المستشرقين وأفراخهم دعت إلى تضخيم الهوامش على الأصل، والعارض على نهر السياق، فضخمت جوانب الفتنة، وأبرزت الطوائف الضالة الهامشية، وكبرت حوادث المجون والخلاعة، حتى صار تاريخ أُمّتنا مجرد مزع لا يفتخر بها أهلها، وغيّبت الصحائف الأصلية البيضاء، وطمست معالمَ العابدين والعلماء والنبلاء.

كما حدث من آخرين وهم القوميون أن فرّغوا تاريخ الأُمَّة من أثر الإسلام، وكأن ما فيها من إنجاز وحضارة وإبداع هو مجرد حلقة في تطور الأُمَّة العربية، وما الإسلام إلا طورًا من أطوارها، تهضمه الأمة في داخلها وتستفيد منه، وتتجاوزه كذلك.

وآخرون مزّقوا الوجود العلمي للأُمَّة، فصنعوا منها جزرًا فكرية متضاربة، فهذه عقلية بيانية، وهذه عقلية غنوصية وأخرى مادية منطقية، في تحكم يضحك الثكلى، ثم يزيدون عليه أن جعلوا هذه الجزر الفكرية تأوي إلى اتجاهات جغرافية، فهذه مشرقية وأخرى مغربية، فغيب مفهوم الأُمَّة الواحدة، وهو المفهوم الذي يجمع هذه الجزر في مجالها الفِكري وفي وجودها الجغرافي، وهو الحقيقة التي كان يعيشها المسلمون، إذ تكاد تعجز أن تجد عالمًا لم يكن خليطًا من هذه التصنيفات، كما تكاد تعجز أن تجد عالمًا مات في المكان الذي ولد فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت