التفسير القرآني للتاريخ والحوادث هو ساحة معركة بين المهتدين وخصومهم، حتى لو وقعت الوقائع الظاهرة أن مجرد شباب مؤمن وقلة مهتدية قليلة حققت الحوادث، فأسقطت أمم، وأزالت دول؛ فسيأتي الجاهلون يشككون في ذلك كله منعًا من أن تتحقق الهداية في النفوس، ووضعًا للحجب والسدود من أن يعرف الناس من هم أبطال الوجود حقًا.
نعم، لقد صار الطوفان الذي أهلك قوم نوح بدعاء رجل ضعيف، وأتباعه عند الملأ أرذال الناس، لكنه لما رفع يديه وقال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (كان الأمر الإلهي: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ? وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (.
نعم، لقد كان هذا الطفل الرضيع المطارد النائم في التابوت والملقى في البحر هو من سيحقق الله فيه: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ? وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (، وحين سيدعو هذا الطفل بعدما يشب ويقول: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (سيأتي الرد الإلهي قائلًا: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (.
هذا هو الفرد الذي يصنع التاريخ، وهؤلاء هم القلة الذين يدخلون في ولاية الله تعالى فيقول الله عنهم: فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ.
هذه معاني يضحك منها فرعون وجنوده، ويستهزئ بها أبو لهب وأبو جهل، وسيقول عنها المنافقون: (غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ (لكنها ستحقق التاريخ وسيجري نهره على هذا الوفق والمنهج حتى لو عميت عنه عيون الكافرين.
فالإيمان هو التاريخ، وهو محركه، والناس على ضفتيه تتحقق فيهم الوقائع والنتائج، فبالإيمان يتحقق قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (وبالكفر يكون: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا ? فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (.