فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 198

والتفسير القرآني للتاريخ، وجعل التاريخ هو جريان إرادة الله في الوجود، مع ارتباط هذه الإرادة بالفعل الإنساني وموقفه من الإيمان؛ يلقي اليقين في قلوب المؤمنين أنهم هم أصحاب التاريخ، وأن التاريخ بهم يبدأ، وبهم ينتهي، وما يجري من الآخرين وما في أيديهم من القوة والثراء إنما هي ظواهر خادعة، تسرق أصحاب القلوب الضعيفة كما قال الله عنهم في حادثة قارون: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (، وهذا الاعتزاز الإيماني هو المانع الذي يؤدي إلى سقوط المؤمنين في مستنقع الانبهار بالآخر، وهو المستنقع الذي وقع فيه الناس اليوم، إذ ظنوا أن الآخر هو الذي يقود حركة الوجود، وأن الإيمان حالة ذهنية خيالية لا تؤثر في الوجود ومسار حركته، فالتحقوا بطوائف الكفر، ومن تأمل هذا الوعي الإيماني عند الصحابة ? عَلِمَ أنه الباعث الحقيقي لقيادة الوجود، وأنه المؤثّر الأول في غزو العالم وبعث الفتوحات، وهذا الوعي الإيماني ليس مصاحبًا لحالة القوة فقط، بل هو أنفع ما يكون في لحظة الاستضعاف، فهذا مؤمن «ياسين» وهو يقتل، وهؤلاء أصحاب الأخدود وهم يحرقون، وهؤلاء أصحاب الكهف وهم يهاجرون إلى الكهف المنعزل؛ لا يهمهم ظواهر الأعداء؛ أموالهم وسلطانهم، بل هم ينظرون إلى يد الله تعالى التي تحكم الوجود، وبذلك دخلوا التاريخ الإيماني، وهذا التاريخ هو كخط الذهب المودع في الجبال، حيث الركام الكثير الذي لا قيمة له، وإنما القيمة لهذا الخط الغالي المشرق والثمين المودع في صفحات القرآن وحوادث الإيمان.

حين يوجه القرآن رسول الله (بقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ (، ليس فقط لقيمة أعمالهم في الآخرة، لكن لأن هؤلاء هم الحياة، وهؤلاء هم صُنّاعها، وإرادة هؤلاء هي التي تصنع التاريخ، وأمّا غيرهم فزبدٌ فارغٌ ذاهب، فلا يغرنك سلطانهم ولا أموالهم ولا بهارجهم ولا أصواتهم، وهكذا كان؛ إذ انطلق هؤلاء فورثوا الأرض وحققوا النصر، وانماثت أمامهم الأُمم كخيوط عنكبوت واهية.

لقد رأينا من تغيره الكثرة على حساب الحق، ومن تبهره البهارج على حساب المعاني مع أنهم يقرؤون قوله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ (، فصاروا يقيمون المعاني بالأعداد لا بالإيمان، ويَزِنون الوجود بالمجموع لا بالطاعات، فطاشت موازينهم، وانقلبت أحكامهم، فصارت منهم فتاوى الشر وأحكام الهوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت