فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 198

ربط أحداث الوجود وصعود الأُمم وزوالها بالإيمان وأعماله، حتى الذين يرون الجانب الخلقي والاقتصادي والسياسي عللًا مؤثرة في هذا الباب إلا أن أغلبهم يرفض وضع الإيمان بالله علّة مؤثرة في ذلك، وكل هذا من هداية القرآن لأُمَّة الإسلام حيث هم يكادون يختصون بهذا الأمر، وهم أكثر الأُمم بصيرة فيه، إذ يرون ارتباط عالَم الغيب بعالَم الشهادة، وأن مسيرة عالَم الشهادة إنما تجري وفق حب الله وبغضه، ورضاه وسخطه، وهي أمور لها أسبابها من الطاعة والمعصية، وأعلى الطاعات الإيمان بالله وتوحيده، وأشد المعاصي الكفر بالله والشرك بالله، لكن هذه الهداية القرآنية أفسدتها الأهواء وخاصة دين الصوفية الدخيل على الإسلام وبعض مذاهب أهل الكلام، فأما الصوفية والتقاؤها بما يُسمّى بمذهب الإرجاء ونفي الإرادة الإنسانية والتعليل الإلهي فإنهما جعلا الحالة الباطنية - دون الظاهر العملي - هي المؤثر إن كان هناك تأثير، فهم يقولون إن الإيمان هو المؤثر، لكن الإيمان عندهم حالة تصور باطني ومعرفي لا غير، وبهذا تعطلت الإرادة عن التغيير، وثم الاستسلام لمفهوم الجبر الذي ينفي الإرادة الفاعلة المؤثرة في الحركة الإنسانية، ولذلك ففهم تأثير الإيمان على الوجود لا يتم إلا بفهم الإيمان على وجهه الصحيح، كما أنه لا بدّ من فهم ارتباط الوجود وحراكه بالأعمال الخاصة المؤثرة فيه، لا مجرد العموم، فالصلاة وإن كانت إيمانًا إلا أنها لا تؤثر في كل أحداث الوجود تأثيرًا مباشرًا، فالزكاة وهي أقل درجة في الإيمان من الصلاة إلا أنها تؤثر في جوانب تأثيرًا مباشرًا أكثر من الصلاة، وهكذا فهناك علل إيمانية مباشرة وهناك علل رديفة كما قال تعالى: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (وكما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (وهكذا يتم فهم سُنَن الوجود، ويتم ربط حراكه بفعل الإيمان أو ما يضاده.

وخصوم التفسير القرآني للتاريخ ينفون هذا بشدة، بل هم أشد الناس كرهًا لهذا التفسير، لأنه يكشف ضررهم وفسادهم في الوجود، وهو من غيهم وضلالهم، والله ? من مكره بهم يلقي على هذه الأحداث ظواهر تعميهم عن رؤية يد الله المحركة لها، ولو سألوا أنفسهم سؤال الرسول (لهم:(( فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ ) )لعلموا أن هذه الظواهر لا توجد نفسها، ولا تنشأ من فراغ، فإن تفسيراتهم لا تعدو مقالات الأطباء اليوم حين يموت أحدهم فيقولون:"مات بالسكتة القلبية"وقد صدقوا فإنه مات بتوقف قلبه، وخلاصة قولهم هي:"مات بالموت"لا غير، وأمّا قبض الروح فلا وجود له عندهم، وهكذا هم يقولون:"صار زلزال بسبب الزلزال"، إذ لا يُفَسَّرُ الشيء عندهم إلا بموضوعه ووصفه. فالعلل الظاهرة حُجُب عن رؤية اليد الإلهية، كما أن هذه الظواهر هي عينها نفس الشيء وليست علته، ولا يفسر حدوث الشيء بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت