فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 198

حين تُوقع حقائق القرآن وأحكامه في المنافقين ومواقفهم، والمؤمنين وأعمالهم، وبهذا تحصل البصيرة، ويرتفع الشك، ويُقبل أهل القرآن على أعمال الإيمان بيقينٍ ثابت، لكن الواقع يدل أن جعل مسألة الدعوة أمرًا اجتهاديًا عند الناس أدى إلى التراجع والنكوص بمجرد حصول علائم الابتلاء أو تحقق بدايته، لأنهم في ابتداء ليسوا على نور من ربهم، ولا على يقين مما هم فيه، وقد علم أن الدعوة إلى الله لا تكون إلا بعلم كما قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (، وأول العلم هو تسمية الوجود بأسمائه الشرعية التي نطق بها القرآن، فهذا مؤمن وهذا كافر، وهذا مهتد وهذا ضال، وهكذا ليعلم الناس حكم الله فيهم، فتقام عليهم الحجة القرآنية، ويحصل البلاغ، ويكون الناس على بصيرة من أمرهم، وبهذه التسميات الشرعية تتخذ مواقف الدعاة من الوجود كما أمر الله تعالى وكما كانت سيرة النبي (، فيتحقق معنى هذه الآية: (لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ (، فحين يسأل امرئ هل هذا موجود في كتاب الله فيكون جواب المهتدين بالقرآن: نعم، وها هي صورتك جلية بينة لا خفاء فيها، فيهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة.

وهذا السبيل هو سبيل النبي (حتى مع أصحابه ? حيث كان يوقع لهم حقائق القرآن في أحداث حياتهم على وفق ما مضى من قصص الغابرين، ففي حادثة ذات أنواط حين قال لهم (:(( ا اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُنَن، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(؛ لَتَرْكَبُنَّ سُنَن مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) ).

وقوله (في سبب نزول خواتيم سورة البقرة:(( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) ).

وقوله (:(( رَحَمُ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبر ) ).

وفي مواطن أخرى كثيرة يعرفها أهل العلم بالسُنَن، وبهذا يحصل العمل بالقرآن، وتتحقق أحكامه في الأرض، وتكون الوعود لازمة الوقوع لتحقق شروطها كما قدّر الله.

وهذه الآية تُبَيّن أن أعظم الآيات النافعة للاعتبار؛ هي الآيات السُنَنيّة في التاريخ البشري، وتعلق جريانها بعلة الإيمان وأعماله، وهذا باب من أبواب النزاع بين طائفة الإيمان وخصومهم منذ القديم وإلى يومنا هذا، فإنهم يرفضون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت