يصيبها ما أصاب الأُمم السابقة فردَّ الله عليهم هذه الجهالة بقوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (، ونبه المؤمنين أن الكفر الذي أصاب الأمم السابقة وكان سبب عذابهم هو ما وقعت فيه قريش، وهو عين الكفر والشرك الذي يصيب الأمم ويقع عليهم به العذاب فقال ?: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ (.
هكذا تطرد السُنَن بوجود عللها، فلا القوة تدفع العذاب، ولا زعم الخصوصية ينجيهم، وقد وقع لمغرورين من أسلافهم هذه الأوهام فقال ?: (أَمَّا عَاد فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدّ مِنَّا قُوَّة أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوَّة (. وقد كانت قريش تزعم أن لها خصوصية الانتساب لإبراهيم (، وزعمت أنها برعايتها البيت الحرام يتحقق لها حصانة تمنع العذاب، وقد رد الله عليهم ذلك في مواطن وجردهم من هذه المزاعم.
ولذلك فما من أُمَّةٍ من الأُمم إلا وستجد نفسها في هذا الكتاب، وما من حادثةٍ في الوجود إلا ولها ذكر، وما من إنسان يعمل عملًا إلا وهو راء نفسه في آيات القرآن، وكلما ازداد بصر المرء في كتاب الله تعالى؛ ظهر له هذا جليًا، وهذه هي عبرة القرآن، كما أن هذا هو العمل به والفقه فيه، فآيات القرآن مستوعبة لأحداث الوجود ومواقف الناس فيه إيمانًا وكفرًا، وبقاءً وزوالًا، ونصرًا وهزيمة، وهذا رد على الجاهلين الذين يرون كتاب الله مجرد عمومات لا تجيب على أسئلة الدعوة والدعاة، ولا تحقق لهم برامج العمل، ولا تبين لهم تفصيلًا في الاختيارات، وأول السبل في هذا المهيع الجاهل هو ترك العمل بأحكامه على الأشخاص والحوادث، والإعراض عن تسميات القرآن وأحكامه فيهما، إذ بهذا يستبعد القرآن من المعركة، وتنبذ أحكامه، وبتحقق هذه الجهالة تبدأ الآراء والأهواء في ملء الفراغ، ويذهب أصحاب هذا السبيل بتسمية هذا سياسة وحكمة وحسن تدبير، وأما أهل القرآن وأحكامه فهم متكلسون متشددون لا بصيرة لهم بسياسة الواقع ولا بإدارته، وبهذا التخبط لا تتحقق وعود القرآن، ولا تصل المعركة إلى نهايتها، لأن الإيمان بالله والدار الآخرة مستبعد من المعركة، منبوذ من قبل الدعاة، لاعتبارهم التدافع إنما هو على مسائل برامج تنموية أو إصلاحية معيشية، وهي مجرد آراء لا علاقة لها بأحكام الكفر والإيمان، ولا الهدى والضلال.
بهذه الوسيلة استبعد القرآن من المعركة كليًا، ولا ينفع الشعار بلا حقائق، لأن حقائق القرآن هي أحكامه على الوجود، حين يسمي فرعون بحكمه الشرعي، وكذا قارون وهامان، ووراثهم كأبي لهب وامرأته حمّالة الحطب، وكذلك