فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 198

علاقة له بالإرادة كما تقدم في قوله تعالى: (مُّحْدَثٍ (، والمسألة ينبه عليها هنا لِمَا في ذكرها من تعظيم الله تعالى ومعرفة حقه في باب المشيئة، وتنبيهًا على خطأ تصور غالب أن تعليق أمر على المشيئة يعني انتهاءه، وهذا يعني فناء الجنة والنار، وهما في دين الله خالدتان لا زوال لهما مع تعلقهما بالمشيئة، كما أن ذكر المشيئة لا يعني إلغاء حكمة الله وتعليل أفعاله جلَّ في علاه.

قوله تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [1] (

هذه عبرة القرآن وعظته، وهو أن يرفع المرايا الحق ليرى الناس؛ كل الناس فيه أنفسهم، فيعلمون مواقعهم من الحق، ومواقعهم من رحمة الله وغضبه، ثم مواقعهم يوم القيامة أفي جنة أم في السعير كما قال تعالى: (بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (، لأن قصصه عن الأُمم السابقة هي نفسها القصة التي تحياها كل الأُمم، فالإنسان هو الإنسان، لا يتطور ولا يتبدل، خلقه الله على فطرةٍ واحدة، وهم مع الحق على مراتب، كل امرئ يرى نفسه في هذه المراتب، لا تغيب عنه، والله ? يقول هذا ردًا على الذين يحتجون جهلًا يوم القيامة أو سيحتجون جهلًا يوم القيامة أن الحجة لم تقم عليهم كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ? أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ? وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (فالقرآن يقضي على هذه الحجج الباطلة قبل صدورها، ذلك لأن الله ? يحب العذر، وهذا متعدد في القرآن في خطابه مع الخلق كما في قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ? أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ? أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (.

وبهذا المعنى أقام الله حجته على بني اسرائيل بقوله ?: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (؛ فبعد أن ذكر الله أمر الآيات الفاصلة وحال الأمم السابقة معها، وقد حصل من قريش هذا الطلب ذكر الله تعالى أن الحال هو الحال فقال سبحانه: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (. ولأن الأُمم من سُنّتها الجهل والغفلة، فإنها تزعم دومًا في كل طور من أطوار طغيانها أنها حالة فريدة ولها خصوصيتها ولذلك لن

(1) الأنبياء: 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت