فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 198

من داخلهم، وحينئذ لا تكون أعمال المهتدين في هذه الأُمَّة إلا عاملًا فيه معنى الصبر الذي يحقق النصر، وفيه معنى الاستعداد لوراثة الهالك الذاهب، وهذا لعمر الحق فعل الأنبياء ووراثهم.

وقوله تعالى: (وَمَن نَّشَاء (إنما يقصد به أتباع الأنبياء، ومشيئة الله تعالى وإن كانت حاكمة لا محكومة، وقاضية لا قاضي يقضي عليها، إلا أن الله حَكَم أن مشيئته لا تقع إلا وفق حكمة وصراط مستقيم كما قال تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (وقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَقْضِي (أي بالأمر الشرعي والأمر القدري، وإن كان سياقها - وهي في سورة الرعد - يدل أن المراد بها القضاء القَدَري فيها: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ (، فمشيئته في النجاة كرحمته لا تكتب إلا للمستحق كما قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (، والله ? في تعليقه النجاة على مشيئته ليُعلِم أهل الإيمان أن القضاء الرباني لا يجري جريانًا ذاتيًا كما يزعم المشركون، ولا هي سُنَن خلقت في الأزل ثم تجري أفرادها بالوضع الإلهي الأول، بل لا يجري فرد من أفراد هذه السُنَن القَدَرية إلا بإرادة خاصة له، فالسُنَن وإن كانت وضعًا إلهيًا في الأصل، إلا أن أفرادها لا تقع إلا بمشيئة منه ? كما قال ?: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَان (، وذكر المشيئة لا يوجب الانتهاء كما يتصور بعضٌ فإن قوله تعالى عن أهل النار وأهل الجنة في سورة هود في قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ? خالدين خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ? وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (يدلك على هذا، وأن تعليق الأمر على المشيئة لا يعني أن له أمدًا، بل يعني خضوعه في كل حدث فيه للمشيئة، ولا يجري دوامه بالأمر الأول والقضاء عند الإيجاد، بل إن إرادة الله تعالى فيه في كل لحظات وجوده، وهذا داخل في قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (، وهو قيام متجدد، والعلم بها يبعث على إجلال الله تعالى وتعظيمه، ورسول الله (نبه على هذا في الحديث القدسي، حديث النهي عن النوء، أنهم أمطروا ليلًا في ليلة الحديبية فلما صلى بهم الصبح أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ. فالمطر وإن كان ينزل بسُنَن الخلق المودعة في الوجود حين خلقه الله، إلا أن كل قطرة ماء إنما تنزل بإرادة ومشيئة له، وهذا المعنى جهله بعض المتكلمين كالأشاعرة حين أنكروا حدوث المشيئة وأنها صفة إرادة، وجعلوها صفة ذات قديمة، لا تحدث أفرادها في ذات الله تعالى، عملًا بمقالتهم المشهورة بعدم جواز حلول الحوادث في ذات الله تعالى، وهو عين قولهم في الكلام حيث جعلوه معنى نفسيًّا قديمًا قائمًا بالذات ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت