فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 198

نصيبٌ من الغلبة والقوة، وهو أمرٌ مطرد إلى يومنا هذا بإذن الله تعالى، وإن تحقق أن وقعت الردّة في قوم فإن القاعدة القرآنية ما زالت تعمل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (وقوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (فهذه مساحة من الإيمان منازعة ولا تقبل الفراغ، وحين يكرم الله عبدًا أو أُمَّة بها فإنه من الجهل والضلال تركها، إذ بمجرد إفراغها يأتي الوارث ليملأها ذلّة على المؤمنين وعزّة على الكافرين وجهادًا في سبيل الله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ (.

لقد نجت هذه الأُمَّة في كل طور تاريخي، وحصل أن رفع الله علائم إيمان من الرجال في هذه الأطوار، وذهب الأعداء في خزي وعار، وطردوا وأهلكوا، وصار فيهم وفي رجالهم وراثة السالفين منهم كفرعون وقارون وهامان، وبهذا حصل التجديد وقامت الأسواق الإيمانية وهبّت أرواح الجنان على ورّاث النبوة، كما هبّت لعنات الغضب على ورّاث فرعون وقارون وهامان، وستستمر الرحلة، وسيبقى كتاب التاريخ مفتوحًا يدخل فيه رجال في صفحات الاقتداء الإيماني، ورجال في ظلمات الكفر والظلم والإعراض.

فهذا هو قَدَرُ الوجود، وهي سُنّته، وهذا هو قدر الإيمان وأهله، فهو مسيرة رجال وفق سُنَن الحياة وضمن بشرية العاملين، وتحت ظلال النصر الإلهي والتأييد الرباني الذي حمله أهله وعدًا إلهيًا منذ بداية الطريق.

وقوله تعالى: (الْمُسْرِفِينَ (هذا اللفظ القرآني في هذا الموطن له دلالته، فهو جامع لعلل الإهلاك، ذلك بأن هؤلاء أهل قوة وثراء، فأما قوتهم فإنهم يسرفون في استخدامها على المستضعفين، ولا يألون جهدًا في إفراغها على رؤوسهم قتلًا وتعذيبًا، وهذا سبب أولي لحصول الإهلاك، لأنه ظلم، والظلم هو أعظم علل الإسراع بالإنتقام والإهلاك، سواء من فعل الرب وغضبه، وكذلك بما يحدثه من آثار في نفس المظلوم حتى يسارع وتقوى نفسه على الانتصار ورد إجرام الظالم.

وأمّا ثراؤهم فإنهم يسرفون فيه، وهو سببٌ عاجلٌ في تدمير الأُمم وهلاكها، كما قال تعالى عن الأمرين؛ أي القوة والثراء: (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَائِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَائِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (. ولقد كان هذا مع أعداء الأُمَّة تاريخًا وحاضرًا، وكان إسرافهم في الأمرين هو الذي يحقق هلاكهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت