فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 198

ثمّ إن هذا اللفظ القرآني: (فَأَنجَيْنَاهُمْ (ليدل على أن مجرد نجاة المؤمن وهو مستضعف مطارد من يد أعدائه المستكبرين هو نصر وتأييد من الله تعالى، كما حصل لسيد الخلق مُحَمَّد (في هجرته، فإن الله ? قال: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (، وهذه النجاة لا تكون للأبد كما قال تعالى: (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (لكن النجاة التي يبطل الله منها كيد الأعداء، ويقهر قلوبهم أن هذا المستضعف قد فلت من أيديهم، وأن مكرهم كان أعجز من أن يوقعه، ثم يحيى وتمتد دعوته وينتشر خبره في الوجود مع ضعفه وقلة حيلته أمام قوتهم وجبروتهم لهو دليل أن الله معه، وأن كيدهم في تباب.

لقد عاشت الدعوة في كل حلقةٍ من حلقاتها التاريخية تحت هذا المعنى، وعاش رجالها ضمن هذه السُنّة، ولقد كاد لهم أعداؤهم كل الكيد حتى يمنعوا كلماتهم من الحياة، وآثارهم من الانتشار، ودينهم من البقاء، فما زادهم هذا الكيد مع الضعف إلا سببًا للحياة، ووسيلة للانتشار، وأما هم فقد حق عليهم قوله تعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (، فذهبوا إلى غضب الله في الآخرة، وإلى لعنة الناس في الدنيا، فكان هذا هو أعظم النجاة حين تنجو كلماتهم ويمتد دينهم وتبقى آثارهم، وهذا هو أعظم الهلكة التي تصيب أعداء هذا الدين من الطغاة وغيرهم، وكل ذلك وفق سُنّة الله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ (. فإذًا هي نجاة يحصل بها بقاء الأثر والذكر وتتم بها الآيات التي تتحقق بها حجة الله تعالى على الخلق.

وقوله تعالى: (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (لقد تقدم أنه لا استئصال للأمم منذ بعثة النبي (، فإن كان الإهلاك للسابقين كان استئصالًا فإن إهلاك المسرفين لهذا الدين له معاني عدة تقدم بعضها منها هزيمتهم وبطلان مقاصدهم كما وقع للصليبيين في غزوهم لهذه الأُمَّة، وكما وقع للتتار من إسلام بعضهم وإهلاك طغاتهم، وكل ذلك من إرث النبي (مع خصومه من قريش، فمنهم من أهلكه الله على يد المؤمنين المجاهدين في بدر وغيرها، ومنهم من هداه الله تعالى فكانت هدايته إهلاكًا للشر والباطل الذي كان ينصره، وهكذا فإن النبي (حين كان يقرأ هذه الآيات لم يكن يفهمها على وجه المطابقة الكلية للمثال المضروب، وإنما هي تهدي أن العاقبة للمؤمنين، وأن الكافرين إلى زوال في خطتهم التي يكيدون بها للدعوة والداعي، وللدين وحملته، وتوزع هذه المعاني في حياة الأمة هو الذي يجب أن يفهمه أهل الإسلام في كل موقعة بينهم وبين أعدائهم حتى لو كان للكافرين نصيب في معركة من المعارك كما قال تعالى: (وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ (فإن هذا لا يعني أن الأرض توقف إنقاصها بدخولها في أيدي المؤمنين، بل لقد كان من آيات الله أن دخل هذا الدين في ديار وأقوام والمسلمون مستضعفون، وللكافرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت