هذا مع أن الفهم نفسه يحتاج إلى مراجعةٍ وتدقيق، وحال هؤلاء كمن أوجب الهجرة لتحقق النّصر، وهي أفهام غير مهدية في جوانب عديدة، لكن يشار إليها الآن ليعلم التمايز بين مفهوم الاتباع الواجب وبين ما يقولون.
وقوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ (هو خاتمة لرحلة بدأت مع الوعد، ووقع فيها خطوب وبلاء، وإغراءات وتخويفات، فهي رحلة زمنية شاقة كان الخصوم فيها يزدادون إمعانًا في الضلال، كما كان النقص يحل بهم من كل الجوانب، وإغراءات الضعف الذي عليه المؤمنون تزيدهم إيغالًا في الغرور، وأن بيدهم القدرة على حسم المعركة بينهما، وكل هذا هو بلاء للمؤمنين يُعمق فيه الإيمان بالآخرة، وتزداد البصيرة بالأعداء، ويزداد اليقين بالوعود، وهم في خضم البلاء تهب عليهم نسائم النصر بشارات؛ إيمان فِتْية، أو هداية سحرة يلحقون بالركب، وتغزو قلوبهم معاني الإيمان والتثبيت كما قال تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (، وتصاعَدُ الفتنة حتى تصل إلى نهايتها مع هذه الكلمات الربانية العظيمة: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ (وحيث يقع النصر تبدأ الرحلة مع مرحلة جديدة يبصرها أهل الإيمان والعلم حيث يبكون من النصر أشد من بكائهم يوم الامتحان كما بكى الفاروق لما رأى الغنائم تنثر تحت أرجل الرجال في ساحة مسجد الحبيب مُحَمَّد (، فيرى الفتن القادمة فيرفع يديه أن يقبضه الله تعالى قبل حلولها، وهكذا هي سوق الحياة تجري على هذا المعنى من السُنَن، فلا أوهام، ولا أحلام، فالأرض هي الأرض، والإنسان هو الإنسان، والسُنَن هي السُنَن، والتدافع قائم لا ينتهي حتى تكون الساعة، فمن قال:"لا جهاد"فهو من أجهل خلق الله، سواء قاله قبل التمكين أم بعده، أو قاله زمن الاستضعاف أم في أي زمن آخر، لأن الجهاد عبادة الحياة لا لحلقة تاريخية واحدة من حلقات هذه الأُمَّة بل لكل حلقاتها ولكل ظروفها وفق قاعدة الإيمان:(( لا رَاحَةَ لِلْمُؤْمِنِ دُونَ لِقَاءِ رَبِّهِ ) ).
وقوله تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُمْ (هذا هو نصر الأُمم السابقة من المؤمنين، لكن نصر هذه الأُمَّة أعظم من ذلك وأكرم، إذ كان نصرهم وما زال هو تحقق الوعود لهم بقوله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (، وهذه الآية حين تجمع مع آيات مكية نزلت في بداية الدعوة في سورة المزمل في قوله تعالى: (لِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (ويذكر فيها القتال في سبيل الله قبل أن يشرع ليعلم أن هذا هو شرع الله، وقدر دينه، ومستقبل علاقته مع الوجود. فنجاة هذه الأُمَّة وعصمتها في كونها تمثل قدر الله تعالى في الحياة، فهي تحب من أحب الله، وتعادي من عادى الله، وتؤمّن من يؤمّنه الله، وترهب من يرهبه الله، لأن هذا هو شأن العبد مع سيده، وهذه أُمَّة متعبدة لله، لا اختيار لها إلا على وفق ما يحبه الله تعالى ويبغضه.