فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 198

الفارق كبيرًا بينهما، فقد تقدم أن الإيمان بالوعود القرآنية لا يمكن أن يتطابق مع إلغاء الولاء والبراء وأُس تطبيقهما في حياة المؤمن أن يكون التدافع بين البشر على قاعدة قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (.

ثمّ إن الوعود لا تتحقق بالمداهنة التي قال الله عنها: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (والمداهنة سلوك وبرنامج عمل، كما أنها - أي الوعود - لا تتحقق بغير المفاصلة كما قال تعالى: (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ (، لأن المفاصلة هي التي تحقق واقع التدافع الذي يؤدي إلى قوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ (.

لكن المشكلة عند «المداهنين» تتعلق بقلة الصبر على تكاليف طريق المفاصلة، كما أنها تستعجل البلوغ قبل الأوان فتتنازل عن الشروط اللازمة لتحقق النصر كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (، مع وجود أمر لا يمكن تغييبه وهو قلة الفقه بالواقع وأحكامه الشرعية، فإن كثيرًا ممن يزعم أهمية فقه الواقع ليغفل عن حكم الشرع في هذا الواقع، بل ويجعل هذا الفقه رأيًا ذاتيًا وإبداعًا فكريًا لا علاقة له بالدليل الشرعي، وهذا أمر مشهود من القوم، بل هو عنوانهم الأكبر في ذلك، فزعمهم أن حركة الدعوة واختيارات أصحابها رأيٌ سياسي وجهدٌ فكري لا علاقة له بالحكم الشرعي الذي يحكمه الدليل، ولذلك يرفضون الحكم على الوجود إيمانًا وكفرًا، بل يجعلون هذا من عمل القضاء، فهم يرفعون شعار «دعاة لا قضاة» ، مع أن المسلم لا يمكن أن يسلك سبيلًا ولا أن يتخذ موقفًا حتى يعرف حكم الله في العمل وأشيائه المصاحبة له.

فالقول إن العمومات القرآنية لا تحدد سلوكًا ولا تصنع برنامج عمل هو افتراء على القرآن، وسلوك النبي (في مكة إنما كان الدعوة إلى الله تعالى ومع ذلك قال الله تعالى له: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (، وهي آيات تحدد لرسول الله (الطريقة في الدعوة، لا على معنى ما يقوله بعضٌ من أن أساليب الدعوة توقيفية فيحرمون الوسائل كمن يحرم العصيان المدني أو المظاهرات بحجة عدم سنيتها، فهذا جهل على الشريعة، ولا هو مقصد القرآن في وجوب اتباع الرسول (لما يوحى إليه، فشتان بين القول الذي يدعو إليه القرآن وما يقوله هؤلاء، وأشبه بهؤلاء من جعل وسيلة إزالة الغربة الثانية على وفق فهمه لما حقق الرسول (من النصر في قوله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ (، مع علمه باختلاف المناط بين الحالين، فشتان بين مرتد وكافرٍ أصلي، كما هو شتان بين دار متحولة عن الإسلام ودار كفر أصلي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت