فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 198

الحضارة والتقدم والوعي على التاريخ والحاضر. والناس إن صدقوهم في طور تاريخي معاصر امتد جيلًا أو جيلين إلا أنهم رأوا أن الباطل هو الذي خرج منتصرًا من هذا الصلح المزعوم، ومن هذه الهياكل الجديدة بعيدًا عن الدين، إذ استمر طغيان الباطل، وتجرّأ الظلم حتى عمَّ وانتشر، فلم يتحقق للناس سلام، ولا حصل لهم وئام، وإنما هي حروبٌ وظلمٌ ونهبٌ واستكبار، يقابله خنوعٌ وجهلٌ واغترار؛ ولذلك فإعادة تقسيم الناس والحياة والتجمعات على أساس الولاء للدين وللشريعة هو الذي يحقق للوجود معناه الصحيح، وهو الذي يجعل المعركة صريحة واضحة لا كذب فيها ولا خداع، ثم يكون عاقبة هذا الوضع القرآني أن يتحقق النصر الذي أدنى معانيه أن تعود الحقوق لأصحابها، وأن يرد الباطل، وأن يعيش الناس بلا ظلم ولا فساد، ولذلك فمن الغرابة أن يرى الناس كل هذه المظالم اليوم - حين زعموا فراغ الوجود من التدافع على أساس الدين، حيث يشاهد كيف يأكل القوي الضعيف، وكيف تسلب الحقوق، وكيف تنهب الثروات - ثم يقول أفاك جهول إن الدين هو الذي يصنع الفتن والخصومات والقتل والخراب، وهذه الكلمة وإن قالها بعضٌ وينكرها الكثيرون، إلا أن الجموع تكاد تطبق اليوم أن الدين هو أساس تجمع البشرية على وفق إنساني، فلا تفرقة بين مؤمن وكافر، ولا بين مهتدٍ وضال، وهذا يقال من كل الأطياف، وهو كذب على الدين أولًا، ثم هو كذب على الحقائق القدرية، فالاختلاف أمرٌ قَدَري، وهو اختلاف بين حقٍ وباطل، وبين هدىً وضلال، وبين صالحٍ وفاسد، وهذا الاختلاف يحقق التدافع قدرًا لازمًا كما يشهد التاريخ والحاضر، ولذلك لا بُدَّ من تحقق هذا التدافع على وفق انقسام الناس حول الدين، وبهذا تقع الوعود الربانية كما يقول تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (.

وأنا أعجب لمن يقرأ القرآن، ويدعو إلى إحيائه والعمل بآياته؛ كيف يفهم آيات الوعود الربانية بالنصر، وكيف يفهم قصص الأنبياء، ثم هو لا يرى أن الدعوة إلى التجمّع والولاء على غير الله ورسوله وشريعته والإيمان؛ لا تحقق هذا كله، بل تُبطله من أصله وتنفيه. ولذلك فلا عجب أن نرى هؤلاء يستهزئون بأهل اليقين بهذه الوعود، ويصمونهم بالسفاهة أو طفولية الفكر أو انغلاق العقل، هذا مع اشتراكهم مع مُبَدّلي الشريعة في أن الحياة قد تطورت وتغيرت، فهذه حجة الزنادقة في وجوب تغيير الأحكام والشريعة، وهي حجة هؤلاء الجهلة في إبطال الوعود وقصص العبرة القرآنية.

وقد يظن بعضٌ - وقد كتب في ذلك - أن هذه القضايا تصورية بحتة، والحديث فيها عمومات لا علاقة له ببرامج الدعاة والتجمعات العاملة لدين الله تعالى، وهذا القول من أفسد ما يطرأ على ذهن العابد الداعي الفقيه، فلا تصور في الإسلام لا يغرز سلوكًا، ومجرد تخيل هذا طعن في الشريعة، ومن تفكر في حال الفريقين سلوكًا رأى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت