وهو حادثة الردة، ولم يكن حدثها والقضاء على المرتدين إلا وفق السُنَن التي فهمها الصحابة في حياتهم مع رسول الله (، ولم يفهموا أن أمرها يحتاج إلى معجزةٍ خارقةٍ للسُنَن، بل فهموا أنهم أهلها، وأن إرادتهم وحركتهم هي ما يحسمها، كل ذلك بتوفيق الله تعالى وهدايته؛ بيقينهم أن الله ناصر دينه، وناصر من عمل لدينه.
وقوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (هنا تبرز ربانية هذه الدعوة حين تأتي العاقبة، هذه العاقبة التي جاءت في أول الطريق وعدًا حين كانت كل الظروف تخالفها في الظاهر، ولا مقدمات لها سوى أن الحق مع الأنبياء، فتعلقت بها قلوب المؤمنين تصديقًا لكلام ربهم ووعده الحق، وكانت موازين القوى تزيد الجاهلين غرورًا واستكبارًا، وتدفعهم إلى الاستهزاء الحاد بالوعد وصاحبه والمؤمنين به، ومن تلك النقطة التي ليس فيها إلا صراع بين وعد محمول على الكلمات وبين واقع يُمَلَّك خصومَ الوعد العتادَ والعدد، والقوة والسلطان، وتبدأ مسيرة التدافع حتى يتحقق الوعد كما قال تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ (.
والقرآن الكريم حين يُتلى على رسول الله (بالوعود التي تحققت مع الأنبياء السابقين، كان يؤكد أن هذا ما سيقع له، لكن كان هناك أمر لا بُدَّ من استحضاره أن الوعد وهو النصر ليس له شكل واحد، ولا له صورة واحدة، فإنه وإن كان نصرًا إلا أن الظن أنه له صبغة واحدة؛ ليس هذا من الفهم الصحيح في شيء.
وسيأتي كيف تحقق النصر لنوح حيث أنجاه الله وأغرق أعداءه، وقد ذكر في القرآن أمر نجاة هود وصالح ولوط - عليهم السلام -، وكيف جاءت الآيات العظمى فاستأصلتهم ولم يبق منهم مخبر، وكذلك نجاة موسى (من فرعون وقومه، إلا أن هذا لم يكن يعني لرسول الله (أن هذا النوع من النصر هو ما سيقع على أعدائه، بل وقع نوع آخر هو من مسمى النصر وداخل في مفهومه، وفيه نجاة المؤمنين كما فيه شهادتهم في سبيل الله تعالى، وفيه إهلاك أعداء له كما فيه إيمان بعضهم به بعد طول مدافعة وجهاد كما وقع لأبي سفيان وعكرمة وصفوان ? جميعًا.
إذًا الأمر اليقيني أن: (الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (وأن النصر يقيني في أي دائرة من دوائر الصراع التاريخي بين الحق والباطل، إلا أن صور هذا النصر هي على وفق مراد رباني يدركه المؤمنون حين يرونه فيقولون: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ (، وأمّا غيرهم فإنهم يحملون هذا التداول بين الحق والباطل على معنى العبثية التي لا تحقق زوال أحد الطرفين، فتبدأ الدعوة لنبذ الدين علة جهادٍ بين الناس، وحمل الناس على نسيان معتقداتهم، والاصطلاح على شكل يجمع الهياكل على أساس غير الدين والإيمان، ثم يزعمون أن هذه هي نهاية إدراك البشرية، وهذا هو منتهى