فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 198

أخص خصائص الخلق - وهي صفة واجبة لهم - الفقر والحاجة، وأكل الطعام هو عنوان هذا، ولذلك من صفات الله تعالى «الصمد» ، وأصلها من «المصمت» ، وهو الذي لا جوف له، ومن لا جوف له فلا يأكل ولا يشرب، ومن كان كذلك فهو غير محتاج، ولذلك فَسّر ابن عباس «الصمد» بالسيد الذي كمل سؤدده.

فالله ذكر هذه الصفة لِمَا في دلالتها على البشرية لأنها عنوان الضعف والمرض والحاجة والفقر والحياة والموت، وكون الأنبياء بشرًا يعني خضوعهم لسُنَن الخلق في الحياة والممات والوجود، ولذلك قال تعالى: (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (، ولذلك كانوا يمرضون ويشتد بهم المرض كما وقع لأيوب (كما قال تعالى عنه: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (، والنبي (كان يوجع أشد من وجع غيره من الناس، فمقاماتهم في البلاء تعادل مقاماتهم في الاجتباء، وتلك قسمة الوجود، وهي القسمة التي لا يعرفها الجهلاء، بل يظنون لجهلهم أن الاجتباء يعني البراءة من الامتحان والبلاء، وهيهات أن تنال المقامات العلية بالدعة والخمول والسلامة.

كما أن الأنبياء كانت لهم أمانيهم البشرية كما سأل زكريا ربه: (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (، وقول إبراهيم: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ (، ومن الأنبياء من قتل حيث جرت عليه سُنَن الوجود بغلبة المجرمين عليه كما يذكر عن يحيى (، فهذا الخضوع التام لسُنَن الوجود يعني أن مسيرتهم في الدعوة، وأن أحداث هذه الدعوة بينهم وبين خصومهم هي وفق السُنَن القدرية الجارية في الخلق، فلا يوجد خروج عنها في شيء، وأما المعجزة فهي حدث بارز في هذه المسيرة لا يتعلق به تغيير لهذا المسار، وليس بها يُحكم على حركة الأنبياء ودعوتهم، فها هو رسول الله (يسير في غزوة العسرة إلى تبوك، ويقع عليه وعليهم من البلاء العظيم، ويلاقون من الأهوال ما يلاقيها كل سائر في ذلك الوقت نفس المسير، وما وقع فيها من معجزة بركة الطعام والماء ليس هو الذي غيّر مسيرة الحركة، ولا هو حاكم عليها بحيث تلغى الحركة البشرية أمام المعجزة كما يتصور ذلك بعضٌ، أو كما يحكم الزنادقة اليوم بقولهم:"إن زمن المعجزات قد انتهى"، أي إن الحكم بالشريعة والعمل للدين لا سبيل له إلا بالمعجزة الخارجة عن السُنَن، ولَمّا كانت المعجزات قد انتهت فيعني ذلك أن نصر الإسلام والشريعة لا سبيل له اليوم.

ثم إن رسولنا (مكث ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو إلى الله تعالى ولم يحدث أن أسلم واحد من الصحابة -وهم الأوائل الأخيار - بغير سبيل سُنَن الدعوة التي يعرفها الخلق، وكذلك هجرته ودخوله المدينة وكذا جميع غزواته وأعماله. ولما قبض الرسول (فإن مسيرة الدعوة وانتشار الدين وحركة الجهاد التي قام عليها أصحابه ? لم يكن أمرها إلا ضمن هذا المسار، ولقد تعرضت الدعوة بعد وفاته لأمر لعله أشبه - بل هو كذلك - بغزوة الأحزاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت