الكفر بكل الرسل كما قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (فكان تكذيبهم لنوح (تكذيبًا لكل المرسلين، وكذا التكذيب بمُحَمَّد (تكذيب بكل الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ومنها أن الذي أمرنا بسؤال أهل الكتاب في هذا الباب هو الذي أعلمنا ما أحدثوه في كتبهم، فغيروا وبدلوا، وقد أعلمنا أن هذا القرآن مهيمن على كتبهم كما قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (. ثم إن هذا السؤال إنما يكون بحصول الشك وحين الجدال لا غير، والمؤمن لا يحصل له الشك، وإنما يُلزم غيره بما عنده من الحق ليأخذه إلى الحق الذي جاء به الرسول (.
ومن تأمّل قصص قريش مع أهل الكتاب، وسؤالهم عن صدق الرسول (تبين له أن كل ما امتحنوه به كان يثبت صدقه، وتقع بسؤالهم الحجة عليهم، وكذا سؤال يهود له، وسؤال نصارى نجران وغيرهم، فما من امتحان إلا ويعلمون به أنه الحق لكنه الكبر والغرور ومن قرأ ما قاله الأسقف أبو الحارث من نصارى نجران وسبب عدم اتباعه علم أنها الدنيا وخوف ذهاب الرئاسة، مع علمهم أنه الحق (.
والقصد أن هذا سؤال مخصوص، هو في كتبهم لا ينكرونه، وهو من باب إقامة الحجة على المخالف، لا من قبيل طلب المهتدي للهدى في غير كتاب الله وسُنّة رسول الله (. ثم إن هذه الآية دليل يستدل بها على طلب الحق من مظانه، وطلب من لا يعلم العلم من أهله، وهم أهل الذكر له، ومن غاب عنه علم شيء فإنه لا يعلمه وواجبه طلبه من مصدره.
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ? ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [1] (
ومن دلائل بشريتهم أنهم كانوا يأكلون الطعام، فلم يكونوا غير ذلك.
قال الطبري:"فوحد الجسد، وجعله موحَّدًا، وهو من صفة الجماعة، وإنما جاز ذلك؛ لأن الجسد بمعنى المصدر، كما يقال في الكلام: وما جعلناهم خلقًا لا يأكلون."أي أنهم لم يخلقوا خلقةً لا تأكل الطعام، والله يقول: (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (. واختصاص ذكر أكلهم الطعام؛ لأن
(1) الأنبياء: 9