فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 198

والخندق، وهذا هو فهم الصحابة لهذه الأمثال والقصص والمعاني، إذ العبرة لا تتحقق بتكرار الشيء ولكن بتكرار معناه، حيث يفهم قارئ القرآن أن الإيمان وشرائعه هي علة بقاء الأُمم وزوالها، وأن يد الله تعالى في إزالة الأُمم لا تتوقف ما وجدت العلل التي صارت في الأُمم السابقة، فقوله ?: (حَصِيدًا خَامِدِينَ (لم يتحقق في كل قريش، وإن حصل معناه في بدر حيث صار كبراء القوم وعليته إلى هذا المصير والمعنى من الحصد، ولذلك فإن بعض أهل العلم بالتفسير جعلوا هذا اللفظ: (حَصِيدًا (دالًا أن ما وقع على هذه القرى المذكورة هنا إنما هو القتل بالسيف كما ذكر ذلك الطبري - رحمه الله - عن مجاهد:"وإذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به."قال:"إنهم كانوا أهل حصون، وإن الله بعث عليهم بختنصر، فبعث إليهم جيشًا فقتلهم بالسيف، وقتلوا نبيًا لهم فحُصِدوا بالسيف وذلك قوله: (فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (بالسيف."وعلى هذا القول فإن قوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا (أي قدوم أعدائهم عليهم.

وهذه الآيات دليلٌ على أن الاستعداد يوم الغارة ليس بشيء، وأن رد القضاء في يومه غير نافع، فإن لم يكن هناك استعداد له، ومقدمات زمنية في التحضير فإن الفزع يوم المعمعة إن لم يكن على بصيرة سابقة عليه فإنه لن يجدي، فلا يقولن أحد لِمَ لم ينفع الدعاء عند حدوث العذاب، أو يقول: لِمَ لم ينفع الدفع عند نزول الأعداء، فهذه أقوال قوم لا يعلمون سُنّة الله في الرد والدفع ورفع العذاب.

وأمّا قوله تعالى في الأنعام: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ? فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (فهذا إنما هو في تقلب الأحوال في الأمم قبل نزول القاصمة الخاتمة، ونص الآية يدل على هذا، فإن الأُمم قبل حدوث القاصمة الخاتمة يقلبها الله في البلاء لحظات بين أيام الترف، وهي لحظات لا تصنع لهم هداية، ثم يكون ما قاله ? بعد هذا التقلب: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (.

ويشرح هذا المعنى آيات سورة الأعراف في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ? ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (وقوله ?: (عَفَوْا (أي كثرت أعدادهم وأموالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت