يسأل عنها أهل الكتاب هي ما يتعلق بحال الرسول، فإن أي اعتراض من أهل الكتاب وغيرهم على مُحَمَّد (يرد عليهم بما في كتبهم من وصف أنبيائهم، وذلك من طريق إلزام الناس بما عندهم، وها هنا مسألة اختلف فيها عالمان من أهل الإسلام هما ابن حزم الأندلسي وابن تيمية رحمهما الله تعالى حول ما في أيدي أهل الكتاب من الكتب، هل حُرّفت كلها أم أن التحريف جزئي مع بقاء الأصل؟ وابن حزم هو قائل الأول، وابن تيمية قائل الثاني، ومع أن كتب الرجلين في هذا الباب تشهد أنهما قد اطلعا على التوراة إلا أنهما قد اختلفا كما ترى، والذي تشهد له الدلائل هو اختيار ابن تيمية في هذا الباب، ومن ذلك هذه الآيات، فإنه لو كان كل ما عند أهل الكتاب مُحرّف وغير صحيح لما كان الاستشهاد به ممكنًا، ولكن حيث إن أصل ما عندهم صحيح ولكنه زيد عليه ونقص، كما غيّر فيه وبدل، فإن الأصل هو ما يستشهد به، وهذا بيّن حين يقرأ المرء التوراة، وهي الأسفار الخمسة الأولى لا ما بعدها، فإنك تجد لها أصولًا من الحق، كما يستدل لهذا القول بقوله تعالى: (قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (وقد وقع منه (أن طلب منهم التوراة في زمانه ليقرأوها في حكم الزناة كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله (أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله (حتى جاء يهود، فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسود وجوههما، ونحملهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين، فجاءوا بها فقرأوها، حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأه يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله (-: مره فليرفع يده، فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم فأمر بهما رسول الله (فرجما. قال عبد الله بن عمر:"كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه."
وفي الباب قصة أخرى من حديث البراء بن عازب وهي في سبب نزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ... (الآية من سورة المائدة، فلتراجع.
وسؤال الله تعالى يهود بإحضار التوراة، إنما يقصد به التوراة التي بين أيديهم، وهي التي حصل فيها التحريف، فإن التوراة الأصلية فقدت في السبي إلى بابل كما هو مجمع عندهم وعند المؤرخين. كما يشهد لهذا القول قوله تعالى في الأعراف: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ... (وهو استشهاد بما بين أيديهم من الكتابين، وفيهما هذه البشارة كما يعلم الناظر فيها.