كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ ? وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَاتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (، فهذه هي قاعدة النبوة مع أقوامهم، وحين يتألم النبي من إعراض قومه، أو من عذابهم له، فيقع في قلبه رغبة حصول هدايتهم بآية لا جدال فيها كما يظن، أو يقع عذاب يستأصلهم يأتي الجواب بأن سيرتهم؛ أي الأنبياء على غير هذا بل: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ (، وأما موضوع الهداية ففي الآية التالية بعد ذلك من هذه الآيات في سورة الأنعام: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (.
فحديث القرآن عن بشرية الرسل ليس فقط ردًّا على أعدائهم بكونهم كذلك، لكنه بيان خضوع مسيرة الرسول لسُنَن البشرية حتى في تقويم أماني الرسل بحصول الآيات التي تحقق لهم المراد كما يطلب منهم أقوامهم.
أمّا سؤال المؤمنين:"لماذا نُعَذَّب؟"فالجواب: هذه هي السُنّة، إذ لا بُدَّ من وجود عدوٍ مُكَذِّب بالحق ويؤذي الداعي ليتحقق التدافع الذي تحصل به عاقبة النصر الإلهي فالتكذيب والإيذاء قدر إلهي يحقق مراده بنصر المؤمنين وإهلاك الأعداء، إذ بدونهما لا تكون الحجة ولا ما يترتب عليها بعد ذلك.
فطالبو النصر من المؤمنين إما أن يقفوا أمام قوله تعالى ليحققوه: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَاتِيَهُم بِآيَةٍ (فيكونوا من الجاهلين، وإمّا أن يسيروا في سُنَن البشرية من الابتلاء والجهد والتبليغ والثبات حتى يأتي نصر الله تعالى.
هذه هي سُنّة الرسل، فهي بشرية الأداء، ربانية النصر على وفق السُنَن التي تحقق الحجة أن هذا الدين وأهله هم أولياء الله وأحباؤه.
وقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (أي أهل الكتاب، وهم أهل الذكر في هذا الباب، وقد تكرر الطلب بسؤال أهل الكتاب في القرآن كما في قوله تعالى في يونس: (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (، وقوله تعالى في النحل: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (، وهذه المواطن التي