فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 198

احتمال أنهم في جزيرة هو الذي منعه من الهروب في الأرض بعيدًا عن الماء، وهذا بخلاف غيره من المعذبين في الأقوام الأخرى فإن الله قال عنهم كما سيأتي في هذه السورة: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (وابن نوح لم يركض منها إنما طلب مكانًا مرتفعًا فدل على أنه محصور، وهذا ما يقوي القول أنّ قوم نوح (كانوا في جزيرة. والله أعلم.

قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [1] (

هذه هي الحقيقة القرآنية في وصف الرسل - عليهم السلام -، فهم رجال من بعض قومهم، يختارهم الله لحمل الرسالة عن طريق الوحي، وبهذا الوصف الجامع للأمرين: (رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ (ترتفع عنهم كل أوصاف أقوامهم التي افتروا عليهم، فليسوا سحرة ولا كذابين ولا شعراء، وحيث إن هذه ? مع الرسل السابقين فهي سُنّته في إرسال مُحَمَّد (فهو بشرٌ يوحى إليه كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (.

وحين يكون الرسل هذا وصفهم فإن ذلك يعني أن تجري عليهم سُنَن الرجال والبشرية بلا استثناء كما قال تعالى بعدها: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (.

وهذه البشرية لا تقتصر في الجانب المعيشي الفِطري من الأكل والشرب والنكاح، لكنها شاملة لكل الجوانب الأخرى، حتى في سُنَن التدافع والغلبة والنصر، إذ ما يقع للرسل من النصر لا يكون بالخروج عن سُنَن الوجود القَدَرية، بل هو من خلالها وبها، وهذا أدعى عند المنصف أن يعلم صدق الرسل وتأييد الله لهم، فإن جريان السُنَن على الفريقين بلا مثنوية، ثم بهذه السُنَن يتحقق النصر للضعيف على القوي، وللكلمة على الطغيان؛ يعني أن المنتصر مؤيد من رب السُنَن والأقدار ?، وقد علم هذا هرقل لذكائه وبصره بالتاريخ، فإنه لمّا سمع ما جرى بين الرسول (وقريش، وكيف تجري الأحداث بينهما، وأن أمرها هو أمر سُنَني في الغلبة والنصر علم أن هذا هو رسول الله (.

وهذا هو وصف القرآن لسُنَن الأنبياء وحياتهم وصراعهم مع قومهم كما قال تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ? وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا

(1) الأنبياء: 7

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت