وردَّ الله على الكافرين هذا السؤال هو تعليم للمؤمنين أن جريان ما بينهم وبين أعدائهم إنما يجري مجرى السُنَن في التدافع والغلبة والظفر، والجهالات الكبرى وإن أتى بها الكافرون إلا أن للمسلمين منها نصيب كما قال تعالى: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ? صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (، فما من شر وقعت فيه الأُمَم السابقة إلا ولعصاة هذه الأُمَّة وجهلتها منه نصيب.
وقوله تعالى: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا (دليل على أن الإيمان عاصم من الإهلاك، وليس كل إيمان ولكنه إيمان مخصوص، وهو الحاصل قبل حضور العذاب كما سيأتي في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (إلا ما قاله الله عن قوم يونس، وتفصيل اختصاصهم سيأتي في موطن الآية السابقة.
وها هنا لا بأس من الإشارة إلى ما تقوله التوراة من هلاك الأرض كلها زمن نوح (بالطوفان، فإن هذا قول غير صحيح البتة وهو من تحريف التوراة، فإن الله لا يهلك القرى في الأرض كلها لعذاب وقع على قرية بسبب جريان سُنَن العذاب عليها، وعندما يتحدث القرآن عن قوم نوح وعذابهم إنما يعني جريان هذه السُنّة عليهم فقط لا حديثًا عن كل القرى في الأرض في ذلك الزمان، وهي داخلة في قوله تعالى هنا: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا (فالهلاك كان لقريتهم دون بقية القرى إلا أن جرى فيها ما جرى على القرى المهلكة من السُنَن، وهذا مما لا يخبر القرآن به، ولذلك قال تعالى عن قوم نوح: (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (فخصّ ولم يُعم، أما مسألة السفينة التي حصل بها النجاة فهي الحجة الوحيدة لهم، إذ يقال لو كان هناك أرض لم يجرِ عليها الطوفان لطلب من نوح (والمؤمنين به أن يخرجوا إليها كما أمر الله لوط وأهله بالخروج من القرية المعذبة إلى مكان آخر، فدلَّ هذا عندهم أن الأرض كلها قد شملت بالطوفان فلا مكان يلجأ إليه، وهذا خطأ في الاستنتاج، إذ الظن - والله أعلم - أن قوم نوح (كانوا في جزيرة لا يمكن خروج المؤمنين ولا الدواب منها فكانت السفينة هي وسيلة النجاة الوحيدة لهم، ومن المعلوم أن نوحًا (هو أول الرسل بعد آدم (، وطبيعة الأرض يوم ذاك من انتشار الماء غير الأرض اليوم، ومثل هذه القضية مسألة ذي القرنين حين وصل إلى مغرب الأرض كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (ومن قرأ تاريخ الأرض علم أن البلاد الواطئة والتي منها اليوم هولندا كانت في الشتاء تتحول إلى بحيرة ماء، فإذا ذهب الشتاء جفّت، وصارت في بعض أطوارها «حَمئة» كما قال تعالى، وهذه الأرض يوم ذاك هي نهاية العالم القديم، إذ لا يعرف الناس يومها أرضًا وراء البحر، ومما يدلل على أن سكن نوح (وقومه في جزيرة أن ابنه طلب النجاة في مكان مرتفع وليس إلى أرض أخرى كما قال تعالى عنه: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء (، ولو وجد مكانًا آخر بعيدًا عن الماء لفعل، لكن