حتى يتحقق الوعد الإلهي بالنصر والظفر ثم تبدأ دورة أخرى كما تَقَدَّم شرحه، وهكذا إلى قيام الساعة، أمّا هذه الأدعية فهي صادرةٌ من تصوراتٍ لا تعلم سُنّة الله مع هذه الأُمَّة ولا مع خصومها، كما أن الأنبياء لم يدعوا على أعدائهم وهم في حال كحال الأُمَّة اليوم التي تدعو بهذه الأدعية، إذ حالهم يجمعه قول لوط: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (، والأُمَّة فيها القوة اليوم بالانتصار على أعدائها لكنه الجبن وحب الدنيا وكراهية الموت، وقد رأى الناس نصر الله تعالى لهذه الأُمَّة في مواطن المواجهة ضد أعتى دول الكفر حين صدقوا الله في اللقاء والجهاد، أمّا هذه الأدعية الصادرة على حال الخور والجبن وحب الدنيا وكراهية النفير فهي أدعية ظالمة ومتعدية، والله ? لا يقبل هذا النوع من الدعاء.
ولذلك فهلاك أعداء الأُمَّة في حلقات التاريخ لا يكون بالاستئصال، لأن الاستئصال لا يكون إلا بالآيات القاهرة الفاصلة، والقرآن بين امتناعها رحمة ورفعة لهذه الأُمَّة، لتُحقّق هي الآيات في حلقات التدافع التاريخي بينها وبين أعدائها، وهذا هو أعظم الآيات، فإن نصر الله لرسوله من ضعف، وكذا نصر أُمّته على خصومها من ضعف هو أعظم آيات الوجود الدالة على صدق هذا الدين ونصر الله تعالى له ولأهله.
ولذلك لا يسأل المؤمن:"لماذا لا يستجيب الله دعاءنا على أعدائنا؟"وكذلك يقول:"لماذا تتحقق إرادة أعدائنا فينا؟"لأنه يعلم أن هذا من عند أنفسنا كما قال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (، وأن أمر تحقق العذاب على الأعداء إنما يكون لطاعة الله واليقين بالوعود والعمل في طرق السُنَن الكونية التي تحقق النصر والغلبة، ومن تأمّل أدعية الرسول على أعدائه إنما كان في حال المواجهة والوقوف في الصفوف كما قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ? وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (، وهذا هو دعاء الصدق المستجاب، وليس دعاء المغرورين الذين قال الله عنهم: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (وليس أصحاب الدعاوى ممن قال الله عنهم في قولهم: (نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ (.