عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (ولذلك قال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ (، والعرب تعلم الشعر وصناعته، وتعلم أن أكثره خيال وتمويه كما قال تعالى: (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ? أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ? وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (وأمّا هذا القرآن فهو الحقائق كما قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (وقال سبحانه: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (.
وهذه الأقوال قالها خصوم النبي (من قريش وأعدائه، وهي مظلة لكل ما يقال عنه وعن دينه وعن حملة الدعوة بعد ذلك.
وقوله تعالى: (فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ (، وهذا الطلب قد شرح أمره في مواطن أخرى في تفسير سورة الإسراء عند قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ (وهو قوله هنا ? رادًّا على طلبهم: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (، وحيث كان هذا في الأسلاف من التكذيب بالآيات القاهرة التي يتحقق بها العذاب بعد التكذيب فإن الله ? لم يستجب لطلبهم المتعنت هذا، ولذلك قال تعالى: (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (.
ومن تأمّل ما قيل في تفسير صدر الآية بأن هذه الأُمَّة هي آخر الأُمم، لأن رسولها هو خاتم الرسل، وأن بقاءها إلى قيام الساعة؛ عَلِمَ سبب امتناع الله ? من إرسال الآيات القاهرة التي يتحقق بها العذاب إن كفر بها راؤوها، وهذه الأُمَّة أُمّةٌ مرحومة، فإنه مع تعنتهم في البدايات، ومع طلبهم الجاهل هذا، إلا أن الله ? رحمهم فلم يستجب لهم بل أجرى لهم الأقدار حتى تحقق هلاك الملأ المجرمين منهم كأبي لهب وأبي جهل ثم صار الأبناء إلى الإسلام، وصاروا حملته وأهله والمنافحين عنه. ومن تَفَكَّرَ في هذا عَلِمَ أن هذه أُمَّةٌ مرحومة، حتى في عدم الاستجابة لهم بالآيات القاهرة الفاصلة، فالمستعجل سيطلب الآيات حتى يقع الفصل، كما يطلبه الكثير من الناس في زمن البلاء، وذلك لعدم علمهم بالغيب المخبّأ للأُمَّة بالصبر واحتمال البلاء، ولعل هذا المعنى هو الذي رد فيه رسول الله (على خباب بن الأرت وهو يطلب منه الدعاء بالنصر وحصول الفصل بينهم وبين قريش، فجريان السُنَن لهذه الأُمَّة صعودًا من البلاء وبطريقة سُنَنية متدرجة هو خير لهذه الأُمَّة لو علمت ذلك، وبذلك تعلم لماذا لا يستجيب الله لهذه الأدعية الغريبة التي يسألها العابدون في صلواتهم من هلاك الأعداء كهلاك عاد وثمود، ويلحون بهذه الأدعية التي لا تقع ولا يجيبها الله، بل الذي يجري بين المسلمين وبين أعدائهم هو جريان التدافع على وجهٍ سُنَني