بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (وقد جمع العلم مع القدرة في مواطن منها: (وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (وهو المراد في قوله تعالى في آخر هذه السورة: (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ ? إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (، فمجرد العلم دون الجزاء ضعف، وتمامه حصول الفعل وهو الجزاء هنا.
وقوله سبحانه: (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (فاصلة تناسب: (الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ (، ذلك لأن العلم بالقول إنما بابه سماعه، ثم إن منتهى الإدراك التام له هو العلم به، فقد يسمع السامع قولًا لا يعلمه، وقد يحصل العلم بلا سمع للقول، وتمامه هو حصول السمع للقول والعلم به، وهو علم شامل له.
قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ? مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [1]
وهكذا جعلوا يضربون الأقوال والاتهامات في كل الصعد لعلها تحقق المراد بالعزل والإعراض، فقد قالوا إنه ساحر ثم جعلوا هذا القرآن وآياته مجرد أضغاث أحلام، والضغث هو سقط الشيء، وحيث تنسب إلى الأحلام فهي من تهاويلها وسقطها، ولذلك فلا معنى لها سوى التخليط. وقالوا:"هو افتراء القائل به، فهو من وضعه واختلاقه."وقالوا:"هو شعر شاعر."
وهذا التعدد يدل على الاضطراب والجهل، لأنهم يعلمون أن كل واحدة من هذه التهم لا تصمد أمام حقائق القرآن وعلومه، فأضغاث الأحلام لا حقيقة لها ولا علم فيها، والقرآن يقرع أسماعهم بالحق والعلم، وحقائق القرآن يرونها بأنفسهم كما قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (وقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (.
أمّا أنه افتراء قائله فالقرآن يرد عليهم هذا في مواطن منها قوله: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ? أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (وهذه الآية جامعة في الرد على هذه التهمة لمن تفكر فيها. أمّا أنه شعر شاعر فالمبلغ له لم يعرف عنه الشعر في حياته قط كما قال تعالى: (قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ
(1) الأنبياء: 5 - 6