سؤاله عن الاستعداد، ولهذا يأتي جواب الحكيم عليه تنبيهًا لهعلى هذا الأمر، وهذا ما يسميه أهل العلم بالجواب الحكيم كما أطلق عليه السكاكي، وهذا كثير في القرآن، ومن تأمّل مطلع سورة هود إلى قوله تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (رأى من أعاجيب الأجوبة على إنكارهم البعث الشيء الكثير وذلك من قوله تعالى: (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (، وكذلك مطلع سورة يونس إلى قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (وذلك في رده عليهم في قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (.
وها هنا يأتي رد القرآن عليهم في تكذيبهم للحق واتهامهم إياه بالسحر بقوله: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (، وهو على معنى قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (وكقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ? لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ? ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ? فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (فعِلْم الله تعالى بما يقال في السموات والأرض، وإسراعه العقوبةَ لمن تقول عليه، وظهور دلائل الخذلان فيه لدليل أن هذا الرسول ليس كذلك، بل إن أعظم دليل على صدق الرسول في هذا البلاغ هو التأييد وما ترونه من مقدماته كما سيأتي من قوله تعالى: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (، وهذا من أعظم العلم، وهو العلم المؤيد المنصور، فسبحانه يعلم ما يقال من هذا الرسول، وهو إذ يؤيده وينصره ويجعله غالبًا على غيره ليدل على صدقه وأمانته.
وإن من معاني هذا الجواب أمورًا أخرى منها معنى قوله تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (فهو على معنى الاستشهاد برب العباد على صدقه، وكفاية هذه الشهادة، وهذا ما مالَ إليه الطبري - رحمه الله -؛ ومنها أن مما يشهد على صدق الرسول والكتاب الذي أتى به هو ما أخبر الله فيه من حوادث البشر السابقين واللاحقين، وهذا الذي قاله ابن كثير، والآية جامعة لهذه المعاني إن شاء الله تعالى، واختيار الأول مع الثاني هو الأقرب؛ لأن هذا ألصق بطريقة القرآن في رده على تكذيب القرآن كقوله تعالى في سورة الأحقاف: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (، وهذه الآية من سورة الأحقاف والآية من سورة الأنبياء دليل على معنى العلم الموجب للفعل في القرآن الكريم، وقد تقدم أن هذا أعظم العلم، مثل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (، وقوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ