فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 198

هكذا هو مقياسهم في هذا الأمر، ولذلك فالحكم أن هذا سحر ظاهر وعلى أتباعهم من المخدرين أن يدركوه.

ثمّ إن هذا الداعي لا يملك إلا الكلمة التي تحمل الوعود المطوية الغائبة، ومع ذلك يستجيب له أهل الحجر والإرادات والفضل، فما قوته في ذلك سوى السحر عند السابقين والخداع والوهم عند التالين، أو يقولون هو استغلال غياب القدرة على تحصيل الدنيا فذهب يحصّل الآخرة.

بهذه الأحكام والأقوال التي يطلقونها على المهتدين استحقوا وصف القرآن لهم: (الَّذِينَ ظَلَمُوا (والله يحكم ولا معقب لحكمه. وهذه الآية حين تجمع وصف لهو قلوبهم، وإسرارهم النجوى؛ لتدل على أن لهم إرادات وعزائم لكنها في الشر، كما أن لهم مدارك نظر لكن لإبطال الحق والتنفير عنه، وأما في سماع الحق والاهتداء به فإرادتهم خائرة عنه، وقلوبهم لاهية عن سماعه والاعتبار به، فلا تعجب إذًا أن تراهم أئمة مكر بعقول حادة قوية، ومع ذلك هم أهل لهو ولعب، وهذا وصفهم الذي نراه فيهم، فحين تكون المعركة على الإسلام وأهله هم أهل جد وعمل وتصميم، لا يألون جهدًا في قذف المسلمين بالصغيرة والكبيرة، وأما تفكرهم بالهدى فهم أبعد الناس عن ذلك وفي شغل بعيد عنه، وهذا كذلك هو من موجبات وصف القرآن لهم: (الَّذِينَ ظَلَمُوا (.

قوله تعالى: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (؛ ومن تدبّر طريقة القرآن في الرد على منكري حقائقه رأى علمًا مع استعلاء، وقذفًا للحقائق من غير تنزل؛ فالاستعلاء لأنه كلام الله، والله ? إنما حقه على العبيد أن يسمعوه ويطيعوه، ومن غير تنزّل لأن في التنزّل معهم إقرارٌ بشكوكهم التي لا قوام لها إلا الهوى، ولذلك فانظر إلى رد القرآن عليهم في قوله تعالى: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (فرد عليهم القرآن بقوله: (بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (فهذا جواب تُقرَّر فيه الحقيقة مع حكم يُستعلى فيه على شكوكهم، ثم يأتي قوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (فما قبض الروح إلا استيفاء لا إفناء، ثم بعد استيفائها ترد إلى الله تعالى.

وسيأتي قوله تعالى في هذه السورة: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (فكان الجواب: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (وكذلك رده سبحانه على هذا السؤال في سورة يس في قوله: (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَاخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ? فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (ورده سبحانه على السؤال في سورة النحل في قوله تعالى: (قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (ذلك لأن الحكيم العاقل لا يَسأل عن الموعد حين يكون الخبر عن أمر عظيم، إنما يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت