فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 198

مُسْتَهْزِئُونَ (، وهكذا يكشف القرآن خبء ما يستر أعداؤه لأتباعه، ومع ذلك فإن أهل الإسلام اليوم تغرهم الكلمات المعلنة، والعبارات المنمقة، مع أنهم يرون إجرام أعدائهم، وكيدهم ومكرهم، بل وقتلهم للمسلمين، وإفسادهم لدين الله تعالى، ومع ذلك يقفون أمام الكلمات التي تقال للتسويق والتزوير.

وأهل الباطل كلهم في معركتهم مع أهل الإيمان في مجالها العلمي والعملي لا يمكن منهم إلا الخداع والخيانة والمخاتلة، إذ: (مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (هو دأبهم وديدنهم، وهذا الأمر في زماننا أشد وأعظم، وهم بسبب خبرتهم ودراساتهم وتراكم معارفهم في هذا الباب وصلوا إلى أعتى الدرجات فيها، وكذلك لامتلاكهم الأدوات السُنَنية وخاصة وسائل الإعلام والتأثير، ثم ما وقع من سقوط الكثير من هذه الأمة في دينهم، واتباعهم الباطل، أو دخولهم معهم من أجل الشهوات والملذات، ولذلك كثر الشر في باب الخداع حتى إنه ليحيط بالمسلمين في كل جوانب الحياة، حتى الدينية منها، ومع كل التجارب السابقة التي تبين للمسلمين فيها خداع أعدائهم وكذبهم وكيدهم إلا أن العظة في ذلك لا تكاد تذكر.

وقوله تعالى على لسانهم: (أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (دليل أن هذه السورة وما فيها من العظة إنما نزلت بعد أن دخل أقوام في الدين، وحصل لهم الهدى، ولذلك يقول الظالمون: (أَفَتَاتُونَ (، فقد حصل إذًا استجابة مهتدين، ووقع منهم الإيمان والاتباع، فهي دعوة لرد المهتدين بالتلبيس عليهم. وتسميتهم دعوة الرسل بالسحر لما يرون من تأثيره على الناس، وهو إعمال لثقافتهم، واليوم يتهم الدعاة بهذا المعنى، حيث يقال إن دعوتهم الناس للجنة، وترغيبهم بالآخرة هو تخدير لهم، وتغييب لعقولهم، وهو نفس معنى السحر الذي قاله سلفهم في هذه الدعوة، ولذلك فالمستجيبون مسحورون، أو غائبة عقولهم بالوهم في طلبهم الحور العين.

ولمّا كان السحر عند هؤلاء مجرد أوهام تخلق في نفس المسحور فتأسره لساحره، فكذلك هي الجنة والحور العين عند سلفهم اليوم، فطالبو الجنة طالبو أوهام، وهم في قيد الخيال والخداع والوهم، وأما قولهم: (وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (لأن الأسلاف والأتباع لا يرون الوعود، بل يرون انقياد المؤمنين للدين، وامتثالهم لأحكامه وهديه مع ما يلاقون من بلاء وألم من أقوامهم هو أشبه عندهم بأن يقال: (وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (، فهل هذا الذي يعيش البلاء والألم ثم يزعم أنه في نعمة وحبور فما هو إلا مسحور مخدوع، وهل هذا الذي يهجر الملذات الحاضرة طمعًا في نعيم غائب إلا مغيب الإرادة العاقلة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت