فحملة الدين بشر، رفضهم أهل الكفر الأوائل بسبب هذه البشرية، ولما في نفوسهم من الكبر عن اتباعهم لبشر مثلهم، أو لكون السابقين في الهداية هم الضعفاء والمساكين، أو لكون الرسول ليس من علية القوم ولا من أهل النفوذ والقوة، والسائرون على درب المنكرين من المعاصرين ينكرون الدخول في الدين بحجة أن الدين مقدس ولكن تفسيره بشري كما يقولون، ويعني هذا أن يبقى الدين في صورته المثالية السحرية التي تعادل الأسطورة، لأن هذه القدسية حين تمنع التفسير العملي والعلمي من قبل سيرة الرسول (وأتباعه يعني أن تبقى سرًّا لا يفيد دلالة علمية ولا عملية تلزم الناس بها، كما أنهم ينكرون الدخول فيه بحجة أن الأتباع أصحاب مصالح دنيوية في حمله، إذ يتخذونه وسيلة للوصول إلى أهدافهم الدنيوية، أو بحجة أن هؤلاء الحملة ليسوا على صورة المقدس المثالي بل هم كغيرهم من البشر في أخطائهم وسلوكهم واختياراتهم، وكل هذا وغيره من الجهالات إنما يقصد منها ردّ الدين وإبطال فاعليته في الوجود، والقرآن يقرر أن هذا التدبير وكل هذا وغيره من الجهالات إنما يقصد منها ردّ الدين وإبطال فاعليته في الوجود، والقرآن يقرر أن هذا التدبير الرباني في جعل حملة الحق الذي أراده للخلق إنما هو من أجل الابتلاء والتمحيص كما قال ?: (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (، وهذه قضيةٌ قرآنيةٌ مهمة فإن الله يمتحن عباده ليكون المهتدي مستحق للهداية، والمعرض ليس من أهلها، فالقرآن لا تتنزل أحكامه ليدخل في الهداية من ليس أهلًا لها، بل هو يمتحنهم كما قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (، ذلك بأن الحق نعمة للخلق، وفي اتباعهم له فائدة لهم، والله غني عنهم، كما أن الحق غني بنفسه عن الناس، كما قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (وكما قال: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (.
وقوله تعالى: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ (دل على أن سبب اللهو عن الاستماع والاتباع هو الاستكبار المانع لهم من الاستماع لبشر مثلهم كما قال تعالى في سورة المؤمنون: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ? وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (.
وقوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (هو حال متكرر من هؤلاء وأشباههم كما قال تعالى عن اليهود: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (، وكما قال عن المنافقين: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ