فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 198

فتجريد الرسالة عن الرسول كفرٌ بالرسالة، وتجريد المعاني عن حقائقها الوجودية استهزاءٌ بهذه الحقائق، فلا دين من غير اتبّاع، ولا شريعة من غير مثال، كما أنه لا توجد صلاة من غير مسجد وركوع وتوجه إلى القبلة، كما لا معنى للدين من غير أهله وجماعته المنتسبة إليه، وهكذا في كل حكم من أحكام الشرع، فالجهاد مثلًا ليس عملًا نفسيًّا بلا جماعة وسلاح وأمير وقوة، والزكاة ليست بلا مال وبذل وعطاء، فالدين ليس فكرًا باطنيًّا فلسفيًّا كما هو مذهب الزنادقة قديمًا من القرامطة وغيرهم، وكما هو دعوة الزنادقة اليوم بقولهم:"الدين علاقة بين العبد وربه."

وهذه الحجة القديمة التي يقولها القرآن عن المشركين والمعرضين: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ (هي الحجة التي تتفرع منها حجج أهل الباطل في كل زمان، وهي اليوم أجل وأوضح في حربهم على المسلمين مع رفع شعار احترام الإسلام، وكأن الدين ليس هؤلاء الذين يحاربونهم، ويزيد بعض الجهلة من المسلمين الفتنة أوارًا حين يزعمون أن القائم بالحق من أهل الإسلام لا يمثل الإسلام، وهذا ما يسمونه بسرقة الإسلام، مع أن هؤلاء الجهلة يرون أن كل عامل بعمل من أعمال الإسلام هو محارَب من الأعداء على وجه من الوجوه، فالمرأة الساترة لعورتها محارَبة في لباسها، والداعي إلى السنة محارب في دعوته، والنابذ لدين الانحلال وأهله منبوذون من قبلهم، وكل هؤلاء وأمثالهم يسمون بالمتشددين، بل إن مجرد طلب الحقوق؛ فاعله متشدد متعصب، ونهاية مطلبهم هو قوله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (.

والقرآن إذ يقرر بشرية الرسول في صورتها الفطرية؛ هي عند هؤلاء غير مقبولة كما قال تعالى عنهم: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ (فكيف إذا تنزّل مثال الدين بعد الرسل بأتباعه ممن يقع منهم الإثم والخطأ، فحينئذٍ تشتد المحاربة والإنكار، ولذلك كان من فقه الصديق أبي بكر ? أن أدرك هذا الكفر من المرتدين حين منعوا الزكاة بحجةِ طهريةِ الآخذ لها قبله؛ أي رسول الله (، فإنهم احتجوا بقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ (وجعلوا هذا الوصف وهو: (إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ (وليس لأحد من بعده، وإذ الخليفة ليس كذلك فلا تؤدى إليه، وهو عين منطق الجهل الذي ينعق به هؤلاء اليوم بحجة أن حملة الدين ليسوا ملائكة ولا أنبياء ولا منزهين، فلا يجب الدخول في طاعتهم، ولا اللحوق بهم، وإنما يعرف فساد حجتهم حين يطلب منهم هم حمل الدين والالتزام به على وجه أحسن مما يرونه في أهله اليوم، فلا تجد منهم إلا خروجًا عن الدين وأحكامه بالكلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت