فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 198

كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (وأمّا الخطأ ففي ذلك أحاديث منها حديث الفرح بلقاء دابته بعد إياس وقوله: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، يقول (: أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.

ولهوُ القلوب انشغالها بما هو مفسد للمسموع، فإن أصل اللهو هو الانشغال، ولما كان عامة اللهو انشغال عن النافع بغيره صار اللفظ دالًّا عليه، وإلا فالأصل هو العموم، وفي هاتين الآيتين تفصيل لآداب اللعب واللهو، فإن اللعب هو الانشغال بالدنيا، واللهو في القلوب وانصرافها عن النافع، وهذا يفسّر اجتماعهما في آيات متعددة كالتي تقدمت في سورة العنكبوت وهي قوله: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ (، وقوله في سورة محمد: (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ (، وقوله في الأعراف: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا (.

وسيأتي في هذه السورة بعد اتفاق اللهو واللعب في المعنى، وذلك في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ? لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (فاللعب الانشغال بغير النافع، واللهو الانشغال عن النافع بغيره، هذا من جهة المقتضى، وأما من جهة الأدوات فقد دلت على ذلك الآية كما تَقَدّم.

وقوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ (فهذا سبب الإعراض، والانشغال باللهو واللعب، ذلك بأنهم طعنوا بالحق من جهة المُبَلّغ - وهو الرسول - فقط لكونه رجلًا بشرًا مثلهم.

وهذه محنة هؤلاء مع هذا الحق، لا ينظرون إليه من جهة نفسه، ولكن بأمور خارجة عنه لا تعلق بنفوسهم وأهوائهم، والحق المجرد ليس له وجود إلا في أذهان الحالمين، فإن كل حق في الوجود له متعلقات، وهذا الفارق بين دين الفلاسفة ودين الرسل، فإن دين الفلاسفة قائمٌ على المعاني بلا حقائق، فهم يريدون عبادةً بلا صلاة ولا صوم ولا زكاة، ويريدون حقًا بلا تكاليف، بل هي المعاني النفسية الداخلية، وهذا ما يصرح به أفراخهم اليوم من الزنادقة، فإن الصراع اليوم كما في الأمس ليس على الحقائق فقط بل على أدوات الحقيقة، وهي نفس شعارهم اليوم:"نحن لا نحارب الإسلام ولكن نحارب المتطرفين"، أو كقولهم:"لا مشكلة لنا مع القرآن ولكن مشكلتنا مع فهم المسلمين له"وكل ذلك إفراغٌ للحق عن معناه حتى يصبح مجرد معنى نفسي لا حقيقة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت