الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (، و: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا (ومنها: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (، وخاتمة السورة - أي فُصّلت - بيَّنت السبب الجامع لكل هذا الإعراض وهو قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ (.
وهنا في سورة الأنبياء وصفَ الله حالهم عند استماع الذكر بقوله: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ (، فدل هذا أن أمر القرآن جدّي، وأن حقائقه توجب هذا المعنى، ولا يمكن تحقق الانتفاع به إلا من أخذه على وجه العناية والاهتمام، فلا بدّ من حضور قلب ووعي، وإلا فلا انتفاع بآياته وتذكيره.
وقد تَقَدّم أن الغفلة هي الدنيا، وهكذا هي في وصف القرآن؛ أي لعب كما قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ (وقوله تعالى: (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ (، فإذا اجتمع هذا الأمر وهو انشغال الإنسان بالدنيا وهي اللعب مع أخذه القرآن على وجه اللعب كما قال تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُوا إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ? الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا (فقد حصل الشر كله. فالانشغال بالدنيا مانع من الانتفاع بالقرآن، كما أن الاستماع إليه على وجه اللعب كفر به، والأولى قد يقع فيها المسلم الموحد، لكن الثانية لا تقع من أحد إلا كان كافرًا بالله تعالى.
فالاستماع للقرآن على وجه التفكر والتدبر واجب أو مستحب بحسب الحال، فإن كان في الصلاة فهو واجب لقوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (، وأهل التفسير أن الواجب في هذه الآية ما كان الاستماع في الصلاة، وأما في غيرها فهو مستحب لا واجب، ونقل ابن المنذر في [الإشراف] إجماع العلماء على أنه لا يجب الاستماع للقراءة في غير الصلاة والخطبة، أما أن يستمع المرء القرآن أو أن يقرأه لاعبًا به فهو كفر بالله تعالى، وهذا من قوله تعالى المتقدم في سورة الأعراف في قوله: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا (ومن قوله في سورة فُصّلت؛ من قولهم: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (، وقوله تعالى: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ (، أما اللعب فهو وصف للأبدان والجوارح، وهنا وصف للقلوب، وهذا دليل على أن الظاهر دليل الباطن، بل لا يعرف الباطن إلا بالظاهر، وهذه الدلالة يقينية إلا في حال الإكراه والخطأ، ولذلك فلا يعتذر عن ظاهر أن باطنه على خلافه إلا في هذين الحالين، وإلا فالمدعي كاذب، فلا يقال لمن هو في شغل ظاهر أن باطنه منشغل بغيره، ولا بعمل عمله صاحبه أنه أراد غيره، ولا بقول قاله أن قلبه لا يريده، إلا في الإكراه والخطأ، والإكراه مأخوذ من قوله تعالى: (مَن