فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 198

العابدين، إذ بدون الأول تَحْصل العبادة بلا علم سُنَني، وبدون الثاني يكون الوعي على السُنَن بلا نُسك وإخبات، والكمال بالجمع بينهما.

وقوله تعالى: (مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (، وهذه الآية تفسيرٌ للغفلة، وحال أهلها مع التذكير، بأنه مع وجوده وتلاوة التالين له من الأنبياء وأتباعهم إلا أن الموانع في هؤلاء تمنع الآثار والنتائج، حتى مع تكرر وتنوع الذكر، فالله ? يحدث لهم هذا التذكير في أزمنة متعددة، وبوجوه مختلفة؛ إلا أن حالهم من اللعب تمنع تحصيل الانتفاع. والآية وإن كانت تخاطب من يتنزل عليهم القرآن طريًّا إلا أنها تعني كل من يستمع لعظاته وهديه من بعد ذلك على الوجه الذي يتلقاه أسلافهم من المعرضين، لأن لفظ الإحداث إنما يعني زمان النزول كما يعني زمان الاستماع والقرآن وإن توقف نزوله لكن السماع لا ينتهي زمانه.

وقوله ?: (مُّحْدَثٍ (إنما هو وصف لزمان نزوله، هذا مع أن قول أهل البدع أن الإحداث يعني الخلق غير صحيح، بل هو إخبار عن الزمان، والحديث قد يكون إخبارًا عن زمن النزول أو زمن الاستماع أو زمن الكلام، وليس حديثًا عن الخلق والإيجاد، وقوله: (مُّحْدَثٍ (شامل لكل هذه الأزمنة، ولذلك فالقول الذي يدل عليه القرآن؛ أن الله إنما تكلم بالقرآن في زمان، وذلك كقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ (فكلام الله لموسى (كان عند مجيئه لربه لا قبل ذلك، وهذا رد على القائلين بأن القرآن ليس كلام الله تعالى، والكلام المسموع لا يكون إلا بصوت، كما أن قولهم هذا؛ أي أن الكلام معنى نفسي قديم قائم بالذات أوردهم جهالات البدع السابقة حيث قالوا عن حروف القرآن المتلوة كلامًا هو عين كلام القائلين بأن القرآن ليس كلام الله، أي صفته، بل هو مخلوق كسائر المخلوقات، فجعلوا هذه الحروف حينًا كلامًا لجبريل، وحينًا كلامًا لرسول الله (، وآخرون جعلوها مخلوقة، فاختلفوا في اللفظ مع اتفاقهم في المعنى، وعلى كل فلم يبقَ من هؤلاء إلا قلة من الناس يتداولون هذا الكلام بينهم، ولا يستطيعون تفسيره في مواعظهم ودروسهم، وإنما ذكرته هنا بيانًا لحق قوله تعالى: (مُّحْدَثٍ (حتى يعلم القارئُ المرادَ منه. وإتيان القرآن بلفظ: (مُّحْدَثٍ (هنا ليدلل على التكرار، وأن مواعظ القرآن في ذكر يوم القيامة تنزل مرة بعد مرة، وزمنًا بعد زمن، ولكن لهم حال واحد مع كل تنزل له.

وقوله تعالى: (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (هو وصف لإحدى حالات الإعراض التي تقدم ذكرها في قوله تعالى: (معْرِضُونَ (مع أن القرآن وصف حالات متعددة لهذا الإعراض تجدها في سورة فصلت، ففيها: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ (، و: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت