الصفحة 9 من 44

والعلم والهدى، وعلى درب هؤلاء بعض من كان منكرًا بكل عمل ليسوس الناس ويُعَمهم عن قضايا حياتهم وله انشغالٌ بالكتاب وشؤونه، فإنهم ما كادوا يخوضون في غمار هذا المعترك اللجج حتى ضعفت نفوسهم عن تحمل تبعاته، فأظهروا الندم على هذا الخوض، وعادوا إلى ما هم فيه فهؤلاء أمرهم هيِّن مالم يقولوا الباطل من مَنعِ الدخول في هذا الباب الذي يُظهر الدين في حياة الناس وشؤونهم، فضعف نفوسهم عن التحمل هو مظهر ضعف للإرادات لا علامة تقوى ودين كما يريد البعض تفسيره، فإن الذي يعاشر الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يعاشر الناس ولا يصبر على أذاهم، والدين والكتاب ليس لخاصة هؤلاء بل هو للناس وشؤونهم وسياسة أمرهم، وفشل هؤلاء في تحمل التبعات والإحاطة به لا يكون دليلًا عند البعض ممن رفع شعار «ترك السياسة من السياسة» فإن هؤلاء على الحقيقة قد تركوا الدين وشرائعه تحت مسمى «ترك السياسة» فإن القيام بشؤون الخلق وفق الشرع من مهمات هذا الدين كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وترك الشرع في هذا الباب من الكفر المبين كما قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، لكن لما كان البعض ضعيفًا عن تحمل تبعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذهبوا يذمونه ويُشَرِّعونَ النُكولَ عنه ثم إن الخوض بالباطل في هذا السبيل ليس حُجَّةً في تركه بالكلية، بل الواجب العمل فيه بطاعة الله تعالى.

ومثل هؤلاء من احتجَّ من مشايخ الضلال وعلى"وفقهم"زنادقة إقرار الواقع الجاهلي أن الخروج على الطواغيت لم يورث الأفضل، وذلك دعوةً منهم أن بقاء الطواغيت خيرٌ من إزالتهم، لما رأوا من آثار الإذهاب من التفرق والفتن، وهؤلاء لا يفهمون دين الله تعالى، ولا سُنن التغيير، فإن الناس كانوا مُجمعين على الباطل تحت حكم الطاغوت، وعلى ملة واحدة تحت ظلمه وشركه وطغيانه، وحالهم حال الدواب من السكون والصبر على الهوان كما ضرب الله ذلك على بني إسرائيل بقوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} والناس في التاريخ يجتمعون على الباطل، ولا يحصل الافتراق إلا بطروء الحق كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} ، فالأمنُ المزعوم قبل سقوط الطواغيت هو أمن العبد الخانع الذليل، والاجتماع يومها كان الركون إلى الباطل، والناس اليوم في دينهم وعِزَّتهم خيرٌ من ألف حالٍ كانوا عليه قبل ذلك، وهذا الميزان هو ميزان الإيمان والعِزَّة، لا ميزان ذلة وصبر الدواب من السكون والخنوع والجُبن، ثم من قرأ التاريخ يعلم أن بداية انطلاق الأمم نحو مقاصدها لا يكون إلا بمثل هذا الحراك الذي يُمَيِّزُ الناس ويفتنهم، ولم يحصل قط أن صارت الأمم إلى الاتحاد والحضور الوجودي إلا بعد خصومةٍ داخليةٍ وقتال، يعرف هذا كل خبيرٍ دارس، وأما تصور التغيير إلى الأفضل، ووضع الأمم على سكة الإنطلاق نحوه بدون الثمن والتبعة فلا وجود له فيما أعلم إلا تحت عمائم مشايخ الوعظ أو في عقول قادة العمل السياسي الإسلامي من حملة الأحلام الوردية الجميلة والتي هي مجرد أحلامٍ وأوهام،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت