«الجهاد من أجل تمكين الدين لا نُّصرة مذهبٍ فقهي»
لقد تميز جهاد أهل الاسلام في كل أطوار التاريخ أنه بريءٌ من الاختلاف العلمي الحاصل في داخل أهل الإسلام، بل كانت الأُمَّة لا ترى نفسها جماعةً واحدةً إلا من خلال هذه العبادة العظيمة أي الجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد هو الحالة الجامعة لمقاصد الإسلام الكلية في أعدائهم، وأهم هذه المقاصد الدعوة إلى التوحيد وإلى كلمة لا إله الا الله مُحَمَّدٌ رسول الله، وتعبيد الناس لربهم في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وباقي مباني الإسلام، وجماعات الجهاد اليوم قامت من أجل هذا المقصد الكلي الذي نقضه المرتدون بترك الحُكم بما أنزل الله والتشريع الشركي على خلاف أمر الله، وكذلك لإزالة المفاسد الكلية الواقعة على الأُمَّة من إفساد حياتها وسلب مقوماتها، ومما لا شك فيه أن هناك مفاسد وجهالات في داخل صف المسلمين كالبدع والإنحرافات والأفكار الدخيلة، وهذه قام لها علماء ومدارس علمية جليلة، ولكن هذه الحالة؛ أي الإصلاح العلمي حالةٌ متجددةٌ في داخل الصَفِّ المسلم، ليست من خارجه، وليست موجهةً إلى خارجه، وقد أخطأ البعض في عَدِّ هذه الحالة الأخلاقية سبيلًا لنهضة الأُمَّة في إعادة حكم الله تعالى ودفع الأُمَّة إلى سدة العِزَّة والمهابة، لأن هذه حالةٌ داخليةٌ متجددةٌ في كل أطوار الأُمَّة، كانت فيها وما تزال، تقوى حينًا وتضعف أخرى، لكنها عند هؤلاء حالة جديدة توافق حالة إقصاء الشريعة و وقوع الذلة والمهانة وهذا غير سديد في قراءة تاريخ علماء الإسلام في كل قرونه وأزمانه، ولانتصار هذه الحالة العلمية على خصومها من الصوفية والمبتدعة والمذهبيين فإن عامة أفراد العمل الجهادي كانوا من هذه المدرسة، ولذلك سارعوا إلى إعلان انتساب العمل الجهادي في اختياراته العلمية إلى هذه المدرسة، حتى صار شعار العمل الجهادي ملتصقًا بهذه المدرسة فيقال: التيار السلفي الجهادي، مع أن الجهاد ضد المرتدين هو جهاد أُمَّة لا مدرسة، وموجَّهٌ إلى تحقيق مقاصد الإسلام الكلية كما تقدم، وهذا الأمر التاريخي سواء كان مصيبًا في الاختيار أم خطأ لكنه أدى في النهاية دخول عوارض وارتدادات المدارس الفقهية المتطرقة إلى صف المجاهدين أنفسهم، وقد يكون العذرموجودًا في الاختيار ابتداءً لأن شرعة الجهاد ضد المرتدين لا يمكن إثباتها إلا من خلال البراءة من أمراض المدارس الفقهية الأخرى، هكذا ظننا، وقد يكون الأمر قدريًا لا اختيارًا علميًا، فإن كانت الأولى أو الثانية فإن الجهاد اليوم وقد بلغ هذا الحد من التقدم تحت أهدافه فإنه مدعوٌّ إلى إعادة إنزاله إلى مجموع الأُمَّة دون هذه الشعارات كما كان كذلك في كل أطواره الربانية السابقة، وهذا الأمر ليس من التصورات دون إنزاله إلى الواقع والعمل، وأنا سأسوق لإخواني ما قاله الإمام الشاطبي في الموافقات ليروا آثار هذا الأمر وضرورته، يقول رحمه الله - والنقل فيه اختيارٌ واختصار لضرورة الأمر:
"إن المشروعات المكية وهي الأولية كانت في غالب الأحوال مطلقة غير مقيدة، وجاريةً على ما تقتضيه مجاري العادات عند أرباب العقول، وعلى ما تحكمه قضايا مكارم العقول"