من التلبس من كل ما هو معروف في محاسن العادات، والتباعد عن كل ما هو منكر في ما محاسن العادات، فيما سوى ما العقل معزولٌ عن تقريره من جملة من حدود الصلوات و ما أشبهها ( ... ) إلا أن خطة الإسلام لما اتسعت ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ربما وقعت بينهم مشاحات في المعاملات، ومطالباتٌ بأقصى ما يحقق لهم في مقطع الحق ( ... ) ، فاحتاجوا عند ذلك إلى حدودٍ تقتضيها تلك العوارض الطارئة، ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات ( ... ) فأنزل الله تعالى ما يبين لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان تارةً بالقرآن، وتارةً بالسُنّة وفصلت تلك المجملات المكية ( ... ) ليكون ذلك الباقي المحكم قانونًا مضطردًا، وأصلًا مستنًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليكون ذلك تمامًا لتلك الكليات المقدمة وبناءً على تلك الأصول المحكمة، فضلًا من الله ونعمة"اهـ"
فتأمّل كيف يتم التفريق بين حالة مواجهة الجاهلية الكافرة كيف يترك الخوض في الفرعيات، بل يقتصر على الكليات ثم إن قام المجتمع الإسلامي اقتضى ضرورة وجود حالةٍ علميةٍ موافقة، فالحالة الأولى حالة الجهاد، تجمع الأُمَّة بكل ألوانها الفقهية في الاختيارات والعلوم، لكن أن ينفر المرء لموطن جهاد يضاد الخصم فيه دين الله جملة لينشط إلى مناكفة مخالفيه في داخل الصف الإسلامي فهذا من الوهن والضعف، بل هو ممن يفسد الجهاد ولا يصلحه، وهذه لم ينتبه لها الكثير فيما مضى، ووقع في ذلك أخطاء معلومة، واليوم لتشظِّي «المدرسة السلفية» نفسها يخاف أن يرتدَّ هذا على الجهاد نفسه، وفي داخله، والجهاد في سورية الشام قَدِمَ إلى أناسَ بُرآءَ من مشاكل المدارس الفقهية في المواطن الأخرى، بل وبُرآءَ من الأحزاب الإسلامية، فمن الجهالات الصراع عليهم على أسسٍ فقهيةٍ أو حزبية، بل الواجب جمع الأُمَّة هناك مع أهلها تحت رايةٍ واحدةٍ من أهل الجهاد، وأما في المساجد والمعاهد العلمية فلكُلِّ عالمٍ اختياراته التي يصير إليها بحسب وسعه واجتهاده، ومن مصلحة الجهاد أن لا تُنسب طائفته ولا قيادته إلى مدرسةٍ من المدارس الفقهية في داخل الصف الإسلامي السُنّي، إنما هم مسلمون ضد المرتدين وسُنيون ضد النُصَيّريين والرافضة وكفى، وهذا يؤكِّدُ كذلك ما تقدم من ترك فرض اختيارات فقهية على الأماكن التي يحصل بها نوع سلطان وشوكة.
الجهاد في سبيل الله تعالى ونُّصرة الشريعة وتمكين الدين مقصدٌ كلي لا يقف أمامه أيُّ مقصدٍ جُزئيٍّ آخر، والأمر كما قال الشاطبي رحمه الله تعالى:"كل تكملة فلها - من حيث هي تكملة - شرط، وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال، وذلك أن كل تكملة يقضي اعتبارها إلى رفض أصلها، فلا ينصح اشتراطها عند ذلك"اهـ
وليتذكر المرءُ دومًا امتزاج الفكرة بالمؤسسة حتى تتحول المؤسسة إلى قبيلة، فإن المدارس الفقهية قديمًا ومثلها الحزبية اليوم تنشأ لصدق اعتقاد الحق في نفوس أهلها، لا يريدون بذلك