الصفحة 35 من 44

رقيق حاطب - رضي الله عنه - عندما سرقوا جملًا فأكلوه، فظن الجاهلون أن عُمَر - رضي الله عنه - عَلَّقَ حُكم السرقة في عام الرمادة وهذا جهلٌ، فهذا لا يجوز لعُمَر - رضي الله عنه - ولا لغيره، بل الواجب القول أنه طَبَّقَ حكم الشرع وذلك برفع حكم السرقة عن هؤلاء لمانعٍ شرعي يصرف قطع اليد عنهم، وهذه الحال تفرق لك بين الفقه والفتوى والقضاء، وقد شرحت هذا المعنى في مواطن أخرى متعددة، والقصد أن المجاهد غير مفتي ولا حاكم ولا قاضي لمجرد جهاده، إلا إن تحقق فيه شروط هذه الأعمال الشرعية الجليلة، ولا يجوز للمجاهد أن يقيم حكمًا شرعيًا على مقدورٍ عليه إلا إن صدر الحكم عليه من ذي صفة لهذا الحكم، وهذا الأمر ليس على جهة الاختيار لأنه الأصلح، بل هو واجبٌ شرعي يجب المصير إليه، ويقترب من هذا المعنى ترك المسارعة إلى ملاحقة الناس في اختياراتهم الذاتية؛ أي ما يتعلق بأعمالهم في شؤون أنفسهم، دون ما يكون من الشأن العام، فليس من الفقه ولا من مهمات المجاهد إن حصل له نوع سلطانٍ وتمكين أن يُسارع إلى صورٍ هي أقرب إلى معنى التجسس على الآخرين، كتفتيش السيارات والبيوت والمحلات عن خفايا أعمال الناس الشخصية، فهذا ليس من سيرة أئمة الدين والسلاطين مع تمكنهم التام في أزمانهم، فكيف يفعله من لم يحصل له إلا ما هو يسيرٌ من هذا المعنى؟ ومثل هذا كذلك ترك فرض الاختيارات الفقهية القائمة على الاجتهاد على المسلمين، فهذا ليس من مهمات المجاهد، ولقد ذهلت أن يفرض المجاهدون في بعض المناطق لمجرد دخولهم فيها، وحصول بعض التمكين فيها على نسائها غطاء الوجه، مع علم الجميع أنها مسألةٌ خلافيةٌ، لا يجوز لأحد ادعاء اليقين فيها، ولا تجهيل المخالف لهذا الاختيار، بل ربما الحق مع من لم يرى غطاء الوجه إلا عملًا من المستحبّات لا الواجبات، والمجاهد له الحق في اختيار ما يعتقده صوابًا في المسائل الخلافية، لكن ليس لمجرد حمله السلاح وقتاله أعداء الله تعالى يجعل الحق أن يفرض اجتهاده على الآخرين.

فهذه أعمالٌ ابتداءً هي لغيره، وإتيان المرء بابًا ليس له يؤدي للفساد، وتاريخ جماعات الجهاد في أماكن سلطانهم يعلمهم أن لا يكرروا هذه الأخطاء في كل موطن، والواجب على القادة أن يكفوا القواعد والأفراد عن سلوك طريق التشدد والغلو والحماس بلا ضابط، لأن مواطن الجهاد في كل فتراتها السابقة، وفي جهاد المسلمين في سورية الشام مادة أهله هم الشباب، وهؤلاء فيهم الحماس، لكن ليسوا علماء ولا أصحاب تجربة، فالعهدة على العلماء وعلى أهل الخبرة في تدبير الأمور وإجرائها على وفق مصلحة الأُمَّة والدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت