الصفحة 34 من 44

رحمهم الله - هم من رفعوا شعار بقاء الدولة الكافرة العادلة قدرًا، وزوال الدولة المسلمة الظالمة قدرًا كذلك، فللوجود موازين كما يقرر هذا القرآن بوضوحٍ وجلاء.

فهذان أمران هما أُسُّ عمل المجاهدين وطوائف الجهاد:

1 -اعتبار أنفسهم من هذه الأُمَّة فهي مادة الخير والوعود، وما هم إلا طلائع خيرٍ لها، وكلُّ إقصاءٍ لها لا يكون بمعنى عزلها وطردها وجعلها مادةً للقتال والحرب والإهلاك، بل يكون من باب التحريض والدعوة، وقد أمر الله بها.

2 -الشفقة والرحمة على الأُمَّة، وذلك بتعليمها قبل العقوبة، وبإرشادها على معنى الأخوة والحنان، لا بالاستعلاء والغرور والكبر، ومن تفكر في تاريخ عامة شباب طوائف الجهاد علم أن حالهم قبل الهداية صورة لحال هذه الأمة اليوم، فالجهاد لم يأت للعقوبة لها، ولا لجلدها وسفك دمائها، ولكنه لرفع الظلم عنها، ولإزالة الطواغيت الذين أذلوها وأفسدوا دينها ودنياها، ولوضعها على سكة العِزّة والجهاد وغلبة الأعداء، وإزالة أغلال الظلم الذي قُيِّدَت به.

ولذلك من الخطأ المسارعة إلى إظهار صورة المانع الحاظر والمتشدد والمُنَفِّر عند حصول بعض الظفر والتمكين، وكأن صورة طوائف الجهاد على وجه المنع لا العطاء، والتشدد لا الرحمة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( بَشِّروا ولا تُنَفروا ) )، ولتطبيق الأحكام الشرعية وهي واجبةٌ لا اختيار لنا معها يجب تركها لأهل العلم والقضاء والفتوى والاختصاص، فلا يجوز لأحدٍ ولمجرد أنه مجاهد أن يقيم حكمًا على مقدورٍ عليه، بل يجب إيكال أمره إلى أهل الشأن في أمثاله، ولقد كنت أرغب أن أرفق في هذا الموطن الحديث عن مهمات طوائف الجهاد من القضاء والفتوى والتحكيم، والبعض أساء بقواعده خاصةً من حصول مناط هذه الأعمال إلا أني سأرجئ الكلام تفصيلًا إلى رسائل قادمة، وخاصةً في الرد على من زعم شعارًا غير موفق بدعوى تدرج في تطبيق الشريعة، وهي دعوةٌ لا تمت إلى القرآن والسُنّة بصِلة، بل الواجب تطبيق الشرع في كل حال أو وقت، بحسب القدرة، كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

ولكن أكثر الناس لا يعلمون معنى تطبيق الحكم الشرعي، وذلك بعدم النظر إلى الموانع والشروط، وهي من أقسام الحكم الشرعي تُسمّى في أصول الفقه بالحكم الوضعي، فإن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى للمكلفين بالاقتضاء والتمييز والوضع، فقد يرتفع حكمٌ ما لوجود مانعٍ شرعي وهذا المانع هو حكم الله في رفع الحكم الأصلي.

وصورة هذه الحال ما قضى به الفاروق عُمَر بن الخطاب - رضي الله عنه - في عدم إقامة حدِّ السرقة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت