الصفحة 33 من 44

يمكن لهم أن يحتجوا بكلام نافع بن الأزرق وأمثاله، ولكنهم لا يعلمون مقدار فساد هؤلاء وإجرامهم، وغلوهم في الدماء وجرأتهم عليها، ووالله إن الواحد من هؤلاء لمُفسدٌ للمئات بل أكثر، وإن الخوف من هؤلاء أشدُّ من غيرهم، لاشتباههم على الشباب خاصةً، والقصد أن كل من يريد أن يحرف الجهاد عن مساره بتحقيق مصالح الدين والأُمَّة هو خارج عن منهج هذه الجماعات المهتدية التي تحقق بها كثير من الخير في مواطن الجهاد والبلاء.

والجهاد المبارك اليوم في بلاد الشام كان خصيصته الكبرى أنه لم يخرج من رحم مدرسةٍ فقهية، ولا حزبٍ من الأحزاب، بل أقبلت عليه أُمَّةٌ مسلمةٌ مظلومة، مقصدها تحقيق شرع الله، فتسارعَت إليه الطوائف والأحزاب لتقطف هذا الحماس جَنْيًا إلى حجرها، فبعضهم بالمال، وبعضهم بالدعوة، وكأن الجميع رأى في هذه الجموع أرقامًا تصلح لتنفيذ مراده، فكثرت الجماعات والأحزاب، ولم يبق جماعةٌ قائمةٌ أو كانت ميتة إلا وسارعت لقطف هؤلاء المساكين إليها، حتى أولئك الذين لم يؤمنوا بجهاد المرتدين يومًا بل كانوا يستهزؤون بطوائف الجهاد عندهم، وكذلك أولئك الذين اعتذروا عن موقعةٍ خاضوها ضد النظام النُصيّري المرتد يومًا، فحلفوا الأيّمان أن لا يعود لمثله أبدًا طول الدهر، وذهب قادتهم وأعلنوا الصلح معه، بل كانوا يرسلون الشفعاء تترًا ليسمح لهم بمجرد الوجود ورفع القوانين المحرمة ضد جماعتهم، فكل هؤلاء وأمثالهم سارعوا لوضع موطن قدم لهم في هذا الجهاد، وأهل الإسلام في سورية الشام قد عاشوا سنواتٍ عجافٍ مظلمة، مليئةً بالجهل والظلم، فما أن فتح الله لهم باب الخير بل أبوابه حتى سارعوا إليه، وكان الواجب المسارعة إليهم بالرحمة والشفقة والحرص عليهم وعلى جهادهم ليبلغ أهدافه ولا أشك أن هذه نوايا الجميع، فالكل يظن أنه الأقرب للحق ولإقراره في الأرض، ولكن خفاء الهوى ومقاصد النفوس لا تظهر في البدايات، ولذلك بدأت النزاعات والتنافس لا على مقدار ما يحصل من السبق إلى الخيرات ولكن على مقدار المحصول إلى الجرين، ومن راقب بعض المشايخ وحديثهم عَلِمَ أن المشكلة في هؤلاء الحسد والظن بالنفس ظنون الغرور أنهم أولى بالإمامة في هذا الجهاد من غيره، ولكن الله تعالى رضي للعبيد من هذه الأُمَّة بقاعدة الحسن القدرية الجليلة: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} وقد بورك في طوائف الجهاد، وصاروا أئمة الجهاد هنا في الأرض المباركة، ولكن يخاف عليهم كما يخاف على كل صالح من الغفلة والغرور، لأن يظنوا أنهم خارج سنن الاستبدال أو الزوال، فينسوا قواعد البقاء ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم: (( الراحمون يرحمهم الله ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله رفيقٌ يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ولا على ما يعطي على ما سواه ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير كله ) )وغيرها من الأحاديث التي تعني بأسباب البقاء ومنع لحوق العناء في المال والسلطان وغيرها من أعراض الوجود، وبعض الناس اليوم لغفلتهم يظنون أن صواب الاعتقاد على طريقة السلف كان لتحقق النصر ودوام البقاء وهذا غلط في دين الله تعالى، وعلماؤنا كابن تيمية وابن خلدون -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت