نظم الجاهلية وهياكلها، وخاصةً في الجانب القضائي والأمني التنفيذي، فأيُّ سلطةٍ قادمةٍ لا تتلاءم مع خيارات الجاهلية في القضاء والأمن المستحكم بعمق سيؤول إلى ما آلت إليه سلطة هذه الأحزاب الإسلامية، وهذاه القُوَى لا تتغير بالتربية كما يزعم البعض، لأن الزمن عند سلطان الجاهلية في مصلحتها وليس في مصلحة الدعاة ولا المصلحين، والواقع دليل صدقٍ على هذا المعنى، والطريق الوحيد هو نقض الجاهلية ونظامها برمته وبلا استثناء، وخاصةً هيكلها الأمني والقضائي، حينها يمكن البناء الصحيح على قيم الإسلام الحق فالدخول في جور الجاهلية، والعمل من خلال هيكلها بالدعوة إلى تغيير الشخوص والرتوش هو مهلكةٌ تصيب الساعين إلى أهدافهم، وفي مصر تَبَيَّنَ أن مجرد الخروج ولو قليلًا عن سكة الجاهلية هو خطٌ أحمر عندها يؤذن بالقتل والسجن والإهلاك، وهذه العواقب التي تمارسها الجاهلية حتى وهي في أوج كذبها في ادعاء الديمقراطية كما يزعمون هي العواقب التي تُحسن جماعات العمل السياسي من اقترافها عندما تأتيها الفرص.
لقد زعم الجاهلون أن الأمر الإلهي بالقتال ضد المرتدين هو خيارٌ نفسي لم يراعي الفرص التي تطرحها الجاهلية لهم بالوصول إلى أهدافهم بالتمكين من خلال وسائل أقلَّ كلفةٍ، والآن قد تَبَيَّنَ أن هذا مجرد وهمٍ كاذب، وهذا الوهم ليس خاصًا بعالمنا الإسلامي كما يظن البعض بل هو عامٌ في الوجود كله، فالجاهلية إنما تسمح لبعض خياراتها بالوجود من خلال نظامها، وأما الخيارات الأخرى فلها حقٌّ واحد هو القتل أو السجن أو التشريد.
هل هناك من أفق خيرٍ قادمٍ لمصر؟ الجواب نعم، والمستقبل للإسلام فيها ولا شك، والمرء لا يجوز له أن يجري سُنّةً خاصةً على بلدٍ من البلاد لمجرد قراءة تاريخها، كما يفعل بعض الدارسين، لأن الإنسان ليس حالة علمٍ تاريخيٍّ ثابت، بل هو صناعةٌ تتحول وتتغيَّر، لكن ما يحبه المرء لهذا البلد الذي شكل تاريخيًا جناحًا إسلاميًا مع الشام لتحقيق أهداف الإسلام في القضاء على الصليبيين والتتار، فقد اهتمت به الجاهلية منذ البداية، أي منذ هجمة نابليون عليها، حيث رآها قاعدة ارتكازٍ لنشر الثقافة الكافرة ولتحقيق الوعد الكاذب لليهود في فلسطين (وللذكر فإن وعد نابليون المجرم كان قبل وعد بلفور) ، ليتحقق الفصل بين جناحي الأُمَّة في المشرق والمغرب، ومنذ ذلك الوقت ومصر تُمَثِّلُ نقطة الارتكاز للثقافات في العالم الإسلامي لثقلها المتعدد، أقول إن المرء ليحب أن يجري لها الخير على وجه ما أجراه لها في السابقات من تاريخها، فمن نظر في تجارب التحول فيها يرى سُنّة مكرٍ على وجهٍ بائنٍ فيها، فقد رأى التاريخ كيف صار الأمر فيها من حربها على سلطان العبيديين من الكفرة على يد الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، فإنها لم تَحتَج إلى فتن داخلية ليتحقق هذا النصر، بل الأمرالحسن لها هو الذي وقع كما ذكر لنا التاريخ، فإنه أي صلاح الدين لما أرسل نور الدين زنكي مع أسد الدين شيركوه إلى مصر بحسب طلب وزير خليفتها المتخلف العبيدي وذلك سنة أربع وستين وخمسمئة، ثم انقلب هذا الوزير مع النصارى ضد جند أسد الدين واسمه شاور، ثم لما دخلوا مصر قتل صلاح الدين شاور هذا وقطعت الخطة للعبيديين وعادت إلى سلطان الإسلام السُنّي وفرح المسلمون بهذا وأَلَّف ابن الجوزي كتابًا سماه [النصر في مصر] أو ما شابه ذلك كما ذكر أهل العلم، والقصد أن المرجو لها أي لمصر، هذا المعنى بأن ييسر لها رجل صدقٍ يزيل عنها هؤلاء الكفرة الفجرة ويحقق فيها سلطان