أناسٌ صغار لا يجدون أنفسهم إلا في الخصومات، حيث تميل النفس إلى الاستقطاب، فيشعر هؤلاء أن لهم قيمةً مرتفعةً في سوق الخصومة، حيث يرغب بهم الشارون، فهؤلاء شرٌّ على الجملة، والبصير لا يَتَسَتَرُّ بهم، فإنهم ثوب سوءٍ وعُري، ولا ينفع في باب التقوى، ومثل هؤلاء من سبّوا الحسن بن علي - رضي الله عنهم - لما أعطى صفقة يده لمعاوية - رضي الله عنه - فسموه: وهذا الحكيم - أعني الحسن - رضي الله عنه - كان يعلم شأن هؤلاء مع أبيه من قبل - أي علي - رضي الله عنه - فهم من خذله في كل موطن - وهم من دعا ربه على المنبر أن يقبضه حتى لا يرى وجوههم، ووالله لقد رأيت مثالًا من هؤلاء حيث كان أشدُّ خوفه أن يعلن الإخوة المجاهدون قبولهم لأمر الدكتور أيمن الظواهري، فإن مثل هذا يذهب أهميته وقيمته، إذ لا يراهما إلا في الخلاف والافتراق، أو في باب تحقيق مصلحته لا مصلحة الأُمَّة والجهاد.
الأمر عندي بَيِّنٌ في هذا الأمر، إما أن تأخذ التقوى وحسن العشرة وحفظ الإحسان والسبق إمارة الجهاد في العراق إلى ما فيه خير الجهاد وحالاته بامتثال أمر الدكتور أيمن، فإن لم يقع هذا لم يطعه الجند فامتثلوا هم الأمر دونه، وإما أن تأخذه نصيحة!!
إنّ ما نحبه ونعلم أن الله يحبه لأمر به في كتابه أن يكون الناس في الشام يدًا واحدة ورايةً واحدة، وعندي هي جَبهَة النُّصرة التي جعل الله لها القبول في الناس، وأحبوها دون سواها، ولو تَفَكَّرَ من أخاطبه لعلم أن الدين والعقل ومخالفة الهوى هو هذا السبيل دون سواه، ومصلحة الجهاد وتحقيق الاجتماع عليه، ودرء مفاسد الافتراق يُبذل لها الغالي والنفيس، والمرء وإن وجد في نفسه أن له حقًا قد نوزع فيه والإخوة قد يجدون في أنفسهم هذا، لكن ذكرى الدار الآخرة وحب اجتماع المؤمنين، والنظر إلى العواقب ومصالح الدين تدفع كل مؤمنٍ أن لا يتوانى في سلوك طريق الاجتماع حتى لو فاته حقه هذا، وهؤلاء إخوةٌ صدقوا قد نفروا للجهاد، والموت في سبيل الله تعالى ينتظرهم في كل لحظة، فأن يذهبوا إلى ربهم وقد اجتمعت الكلمة وقد خلفوا هذا الذكر الحسن على ألسن المؤمنين هو ما نحبه لهم ويحبه لهم كلُّ مُحبٍ لهم.
إخفاق الجماعات الإسلامية التي اختارت مفاهيم الجاهلية في الوصول إلى أهدافها حقق الكثير من المعاني في نفوس العلماء والأُمَّة، فمع أن هذه الجماعات تربط ضابط المصلحة بالنتائج إلا أنها لم تُعِد ترتيب عقلها الفقهي في هذا الجانب بل أُجبِرَت على التمادي في هذا الخيار الجاهلي الخطير، والسبب هو عينها المصوبة دائمًا إلى خارج الأُمَّة من إقناع الزنادقة من أبناء هذه الأُمَّة، وإقناع الأغيار من المجرمين أنهم خيارها الأصلح في القيادة والسلطة، وهذا مرضٌ سرى حتى استحكم في العروق، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} ، وهذا ليس موطن مناقشتهم فقد فرغ منه سابقًا إلا أن الحديث الآن عن التداعيات النفسية والواقعية على هذا الإخفاق، وذلك بدلالته على سقوط ما تبجح به الجاهلون أن وصولهم الزائف إلى السلطة الشكلية هو ضربةٌ قاضيةٌ تحققت لهم ضد العمل الجهادي، فقد تبين أن هذه مجرد أوهامٍ وأحلام، ولا واقع لها، والقوم يحكمهم الواقع الراهن لا النهايات، والسبب هو خطأ التقييم الشرعي والواقعي كذلك، فإن الواقع يدل أن آثار الطواغيت مُستَحكِمَةً في