الصفحة 23 من 44

وإني والله لم أخف تهديد كبار الطواغيت فكيف أخاف من كلمات جاهلٍ لا يعرف عواقب الأمور ولا كيف تنشأ الفتن ولا كيف تصير.

والذي أقوله هنا: ألا تستحق هذه الملاحظة النظر والتفكُّر، والمرء يرى كيف كان إخواننا في مالي يصرخون ليل نهار أنهم ينتظرون فرنسا لتأتيهم، ويخرج الصغار من أصحاب الشعارات ليتحدوا وينذروا ثم لم يحتمل أمرهم وزوال تمكنهم أسبوعا واحدًا؟ ومثل ذلك يقال في الصومال كذلك، هذا لا يقوله المرء على وجه التعيير حتى يرد عليه بالقاذف والصاروخ، إذ كيف يُعَيِّرُ المرء نفسه، لكن يقوله الناصح ليتكلم فيه الكبار لا الصغار، واللطف الإلهي سار بهذا الجهاد منه وحده إلى هذا المصير في الشام المباركة، فمن الخوف بل الرعب على مصيره أن يُسار فيه ما سار من سنن على سوابقه، والناس يعلمون أن شأن الدولة الإسلامية في العراق كان عماد قوتها هم إخوةُ صدقٍ كان شأن اسمهم مجرد تنظيم، ثم رأوا الصدق بينهم أن هناك دولةً ممكنةً في هذه الديار فصاروا إليها، ثم كان ما كان من عودتها إلى واقعٍ لا يتخطى تسميته تنظيمًا جهاديًا، والذهاب إلى إبقاء تسميته «دولة» هو من قبيل «الأمل» لما سيكون، لا من قبيل توصيف الواقع، ولكن لهذه النفسية والعقلية التي صاغت الكلمات التي تَقَدَّمَ ذكرها، أرادوا أن يتخطوا من أعطاهم القوة في تحقيق مُسَمّى الدولة يوم أن كانت وقبل ذهابها، فتأمّل هذه المفارقة العجيبة، ثم تأمل طنين الذباب المصفق لهذه المفارقة.

هناك الكثير مما في النفس مما رآه المرء وأبصره ليتحدث عنه، لكن ليس هناك من داعٍ لذكره، وما ينكره المرء هنا هو من الواجب الذي لا يجوز كتمانه في هذا الوقت ولو جاز ذلك لسكت المرء ووسعه السكوت، فإن المرء عانى من الموقف السياسي الحاكم على كثيرٍ من النصائح وعدم إذاعتها، لما يعلَم أن إعلانها هو توهينٌ للحق وإشاعةُ الشرِّ عليه، لكن هذه الفرق اليوم بين طوائف الجهاد في الشام المباركة أمرٌ معلن، ولا مبعث له صحيح من مقاصد الإمارة والشرع، فإن تَفَرَّقَ أصحاب الهديِّ الواحد والمَقصَدِ الواحد في الإمارة والقيادة والشارة لا يفسر إلا بهذا، رضينا أم كرهنا، لأن هذا وصف الكتاب والسُنّة لا غير، وإن فسرنا الأمر بغير هذا جمعنا هوى فوق هوى فحُرِمنا الهداية والتوفيق، وكان أول هذا الحرمان عدم التوبة ثم عدم الإصلاح، ومن كان هذا مبتدأه، فإن العواقب لا يعلمها إلا الله، وكل من طلب من هذا «الأسير» أن يقول غير هذا فإنّما يطلب منه أن يخون كتاب الله ونفسه وإخوانه من المجاهدين.

هل هذا الكلام يُغضب البعض؟ إن كان الجواب نعم، فالعيب فيهم لا في قائله، والكلُّ يعلم أن الله جمع بين الظن والهوى في قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} ومن قرأ شرح هذا الاجتماع في كتاب الاعتصام علم أن مثل ما نراه من الافتراق (وهو ظن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت