على مستوى النتائج الكلية، وإنه من السهل الهروب من المسائلة بأن تبعد مسؤولية هذا الإخفاق على الغير كما يجلوا للبعض تفسيره وشرحه.
وإنه مما يحزن القلب في هذا الجانب أن الحركة الجهادية قد ذهب كثيرٌ من قادتها الذين عاشوا معها من بدايتها على الجهة التي نراها، ولم يبق إلا القليل منهم، لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، ثم تأتي أجيالٌ من المجاهدين حديثة الأسنان، وفيها حماسٌ وافق صور البطولية الموضعية، وهؤلاء يأخذون الصدارة بسبب عوامل معينة، ليس هذا الموطن لشرحها، وتصبح مواعظ ونصح الآخرين مجرد كلماتٍ لا تأخذ ما تستحق من النظر، ومن تأمل السيرة النبوية يجد أن المحن والابتلاءات لم تكن تجري على وجه اليقين من تحقق النصر بلا احتمال الزوال الكلي، وأكبر شاهدٍ على هذا غزوة حُنَيّن، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - فرغوا إليها بعد الفتح الأكبر، واحتمال الهزيمة فيها لا يعني إلا الهزيمة الكلية وإفناء الإسلام كله، ومنشئ هذه الهزيمة هي أخطاء عسكرية وإيمانية، ولولا ثبات قلة مع الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لكان للتاريخ شأنٌ آخر، ومثلها حادثة ردّة العرب بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالأخطاء الصغيرة لا تحقق هزائم قليلة في بنيان الإسلام، هذا مع استواء الإسلام على سوقه في القوة والتمكين، فكيف لو كانت هذه الأخطاء في زمن البناء وعدم الاكتمال؟
والصدق مع الإخوان الأحبّة لا يعني التصفيق لهم، بل قول الحق لهم حتى لو أغضبهم، وإني لأعتبر أن موقف الصدّيق أبي بكر - رضي الله عنه - مع فاطمة رضي الله عنها في عدم إعطائها إرث النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أشدُّ ما يُبتلى به الصديق والمؤمن، فإن إغضاب العدوِّ لا يتعب النفس بل يُفرحها كما قال تعالى: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} لكن الرهق بإغضاب الحبيب في الحق، وهذا ما يُتعب الصادق والمحب، وقد قال المرء كلمته ضد الطواغيت وأهل البدع، فما ازداد إلا فرحًا بإغضابهم، أما أن يظن أحدهم أن من الدين أن يسكت عن الإخوان في أخطائهم، وهو يراهم يسلكون سبيل الهلكة فهذا والله دونه الموت الزؤام، ولقد قلت كلمةً سابقة: إن من الواجب على القيادة المهتدية استبعاد المتعصبين للأسماء والهياكل، وإن التجربة تقول: إن هذا شاقٌ على القيادات، لأن النفس تميل إلى من يوافقها ويزين فعلها، ومن تَفَكَّرَ بحال الصدّيق مع الفاروق، أو بحال ذي النورين مع علي - رضي الله عنهم - جميعًا لعلم أن الحق على خلاف ذلك، فإن التقريب يكون للمهتدي لا للموافق المصفق فقط، ولذلك فليقل المرء كلمته، ولا يعتذر عنها، وليَمضي إلى ربه وقد صَدَقَ الأُمَّة ونصح لها؛ إن الحركة الجهادية قد قَدَّمَت الكثير من صور البطولة الإيمانية، وقد أحيا الله بها الكثير من الحق، وأحدثت الكثير من النكاية في أعداء الله، وهي أولى المناهج في قربها إلى الحق، لكن إخفاقاتها في تحقيق المقاصد الكلية للجهاد، وأقول الكلية، وإلى الآن تغلب على نجاحاتها، ولقد أفرحني ما وصلني من الإخوة في اليمن أن قد كتبوا نتائج تجربتهم في