الصفحة 20 من 44

والجماعات في دين الله تعالى وسيلةٌ لحفظ الدين، ولا تكون أبدًا هي الدين بذاته يقاتل من أجلها إلا حين يكون المقابل الكفر والضلال، وأما سوى ذلك فمصلحة الأُمَّة هي مناط الحكم وجودًا وعدمًا، لا يحتج أحدٌ بغير هذا في اتخاذ قرارٍ أو فصلٍ في خصومه، ومن فَقِهَ هذا على وجهه فإنه يوجب ضرورة على أهل الجهاد المصير إلى موقفٍ واحد، وذلك عند الافتراق كليةً على وجهٍ يقدم الجهاد خطواتٍ نحو مقاصده، ومراعاة ظروف الناس وتفرقهم إلى شعوبٍ وأُمَمٍ وقُرى وقبائلَ أمرٌ مهمٌ لدى من يعاني هذا الوجه ويعرف واقعه، فأمر الجماعات الجهادية يحتاج إلى خطابٍ يرفع نفسية كُلِّ فردٍ فيها إلى أُفق تحقيق صياغة العالم كله على وجه الهداية القرآنية، وكذلك إقرار الوسائل السُنَنيّة التي تحقق هذا المقصد، وهناك فرقٌ كبيرٌ بين الشعار وبين البناء النفسي، وإن كان البناء النفسيُّ والعلميُّ يحتاج إلى الشعار، لكن لا تحصل به الكفاية دون غيره من الضرورات.

وجهاد أهل الشام سيرقى غدًا إلى محطاتٍ خطيرة، وقد بدأت نذر هذا جليًا، فلا ينفعه التفكير الموضعي، فإن هذا هو شأن الجندي الذي يتعامل مع هدفٍ محددٍ أمامه، والقائد لا يقبل منه هذا السلوك، وكذا لا يظن ظان أن مجرد فقه الرجل بالأحكام ينفع في حل المشكلات، ومن المعلوم أن الحاكم أكبر من المفتي والمفتي أكبر من الفقيه، فإن من ضرورات الإفتاء تحقيق المناط، وهو معرفة الواقعة على وجهٍ صحيح، ومن أهم ضرورات فقه الواقع الخروج من دائرة الجاهلية بكل صورها، والذهاب إلى الهدف بخطوطٍ غير خطوطها، وإلا سيكون خاضعًا لأحكامها القدرية النافذة فيه، وإن من الهداية قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} ، والطاغوت وجنده لا يمكن أن يفرض قانونًا يُحقق السبق والغلبة لخصمه، فبمجرد دخولك في ساحة الصراع على وفق قانونه وأسلوبه يعني الخسارة حتمًا، وهذا الذي أقوله هو ما يقوله دهاقنتهم، فإن خوفهم هو ظهور القائد المسلم الذي يسير على غير خطوطهم في ساحة الصراع معهم، ومن ظن أن خصومنا أغبياء فهو الغبي، والله يقول: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} فهم لا يتركون الأمور للصدفة كما يسمونها، ولا يملون عن مراقبة البدايات لكل أعدائهم، ومن راقب التجارب السابقة علم أن بعض الانتصارات الجزئية لطائفة الجهاد كانت عامل غفلة عندهم، وجعلت فيهم الجرأة على اقتراف الأخطاء، وقد استغلت الجاهلية هذه الأخطاء وحققت مقاصدها في سلب جوانب النصر الجزئية، ومن تذكر في الحالة العراقية رأى ذلك جليًا، وكان الأولى في الحركة الجهادية أن تعيد البحث في هذه المرحلة، لكن العادة جرت في العقل المسلم منذ زمن تعليق الإخفاقات على قوة الأعداء أو مكرهم، أو سطوة المنافقين، وهذا خلاف الهدي القرآني كما يراه طالب العلم في حديثه عن موقعة أُحُد في سورة {آل عمران} ولذلك من عجائب ما يُبصره المهتدي أن يراه توفيقًا في أعمال النكاية من عملياتٍ استشهاديةٍ وبطولية يقابلها عجزٌ وعَيّْ في أعمال القيادة الكلية، وإلى هذه اللحظة لم تقع مراجعةٌ لهذا الفصام بين النجاح في العمل الجهادي الفردي والموضعي وبين الإخفاق في النتائج الكلية، فما زالت صور البطولات الإيمانية حاضرةً في كُلِّ موطنٍ كالشيشان والبوسنة والعراق، تقابلها نتائجَ عكسيةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت