الصفحة 18 من 44

وهذا من سقطات الحركات الجهادية في الفترة السابقة، وقد كلف هذا المسار الكثير من الجهد والوقت، وكان دافعه تحقيق معنى «الدولة» في هيكلها الجاهلي، لا في إطار مفهوم الدار الشرعي، فإن النفوس تتشوف إلى «دولةٍ» إسلامية على وفق ما للجاهلية من دول حتى كان من أخطاء حركة طالبان المباركة الذهاب إلى طلب مقعد هذه الدولة في الأمم المتحدة وهو دخول الصراع بين الجاهلية والإسلام ضمن خطوط الجاهلية مع أن طائفة الجهاد في أصل وضعها الخروج عن هذه الخطوط بالكلية، وهذا الذي يخيف الشيطان وجنده ومركز الجاهلية، بخلاف طوائف العمل السياسي البدعية، وكان من آثار هذا نتائج فقهية ومنهجية بعد السقوط في عدم التوفيق الإلهي بإقامة هذه «الدولة» على هذا الوفق، ومن هذه الآثار أن البعض أراد التعامل معه بعد هذا التمكين الجُزئي على أساس الخلافة العظمى التي توجب بيعة كُلِّ مسلمٍ لها، وهو خطأٌ فقهي يقترب في خطوطه مع مفهوم الإمامة الرافضي، حتى إن بعضهم ممن ذهب عنه كل مظاهر هذه «الدولة» وأقول مظاهر فقط، بقي على هذه النفسية والمفهوم.

والقصد أن طائفة الجهاد لا يمكن أن تكون مهتديةً، تسير سيرها المبارك لتحقيق الوعود إلا إذا كان في نفوس قادتها هدف صياغة العالم كله على وفق مراد الله الشرعي، وهذا لا يتحقق إلا بإضعاف مركز الجاهلية حتى يتحقق الإعتراف بها كما اعترفت قريش بحلف النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يقابل حلفها وأممها المتحدة على الكفر والشرك، ومما يعلمه كل مراقب أن كلَّ حركةَ جهادٍ في أيِّ بقعةٍ من العالم يقفز المركز نحوها وكأن الصراع مباشَرٌ معها، بل هو كذلك، وغدًا عندما تتقدم في قوتها إلى تحقيق الوعد بإزالة دولة يهود، فإن الأمر سيكون أعظم وأكثر تكاليفٍ معها، وسيكون الحال أشبه بغزوة الأحزاب التي أرادت بها قريش استئصال الإسلام من جذوره كما ظنَّت وأَمَلَت.

هناك الكثير من الحلقات الصغيرة تتوق إلى الخروج من مركزية الطاغوت، لكن الخروج الفعليَّ صعبٌ لارتعاد أرجلها من عاقبة هذا الخروج، وشأن دعوة الحق وطائفة الجهاد أن تَجُرَّ هذه الحلقات على الانعتاق، وهذا قد وفقت فيه بفضل الله تعالى كثيرًا وإن لم يبلغ إلى منتهاه كما هو بَيِّن.

هذا التصور القرآني المأخوذ من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} يوجب على المهتدين السلوك السُنَني لتحقيقه، وأول شروطه الخروج من مفهوم الجماعة الصغيرة التي أكبر شأنها إحداث النكاية فقط، فهذا المفهوم وهو التعرف على أساس جماعة النكاية كان مقبولًا في زمنٍ مضى، بل هو واجب الوقت يومها، لكن طائفة الحق والجهاد قد خَطَت بفضل الله تعالى أبعد من هذا الواقع، ولذلك من الواجب الفقهي الخروج عن هذا الفعل إلى أفق واجبات الوقت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت