الصفحة 17 من 44

«طائفةُ الحق لها غاية صياغة العالم على وفق الدين والحق، وهدم هياكل الجاهلية»

لقد كانت مهمة الجاهلية منذ أن دخلت الأُمَّة تحت سلطانها إقامة حياة الناس، مسلمين وغير مسلمين على قيمها في كل سبل الحياة، وخاصة الحاكمة فيهم، وقد اهتموا في إدخال العالم كله تحت حكومةٍ واحدة ودينٍ واحد وشريعةٍ واحدة، كما نرى الأُمَمَ المتحدة ومجلس الأمن وإلزام العالم كله بهذه الشريعة، ولقد عملوا في إدخال الأقاليم في مؤسساتٍ حاكمة هي درجاتٌ موصلةٌ لتحقيق السيطرة الكلية عليها، فدخل العالم كله من خلال هذه المؤسسات تحت سلطانهم السياسي، كما صاغوا العالم كله في طعامه وشرابه وبيعه وشرائه في شريعةٍ واحدة تضبط إيقاع كل درهمٍ فيه، ولقد كان السلطان السياسي والاقتصادي وسيلةً قويةً تمنع أيَّ محاولة اِنفكاكٍ عن مركزيتهم وقيادتهم، ولذلك كان من وسائل الباطل في التغيير هو الذهاب إلى الأعراض دون التوجه إلى المركز في كل قضايا الأُمَّة، والجاهلية في اطمئنانٍ تام أن خروج أي حلقة من حلقات الردّة من هذه السيطرة يعني موتها، لأنها لن تستطيع أبدًا العيش في طعامها وشرابها وإدارتها بعيدًا عن قوة مركز الجاهلية الغربي، ولذلك كان من جهالات البعض أن سمّى مجرد الارتقاء باسم الإسلام من خلال قيم الجاهلية نجاحًا في تحقيق مقاصد الإسلام كما فسّر ذلك البعض فيما جرى في تركيا، والمرء وإن كان يرى أن هذا الوضع خيرٌ من حكم العَلمانية الصلبة كما يسميها أهلها، إلا أن من الجهل اعتبار أن هذه حلقةً إسلاميةً خرجت من سلطان الجاهلية، بل الحقيقة أن هذا مجرد هيكلٍ جاهلي بدهان إسلاميٍّ رقيقٍ زائف، فإن الإسلام مع قيم التوحيد يعني الخروج الكلي عن الجاهلية ودينها، بل وجهادها حتى يكون الإسلام فقط هو الحاكم على قيم العالم كله، وما وقع من حادثة صلح الحديبية التي سُميَّت بحكم القرآن فتحًا مبينًا هي في واقعها اعترافٌ من عالم الجاهلية (قريش) لسلطان الإسلام الذي له الحق في إدخال الآخرين في حلفه، وقد شرحت هذا لمن أراد الإستزادة في [مع صبغة الله الصمد] في موطن [صلح الحديبية] منه.

فالعالم قريةٌ صغيرة محكومةٌ بالمركز الطاغوتي ولئن أرادت الحركة الإسلامية في كل برامجها أن تُخرِجَ حلقةً من إطار هذا المركز لتحقيق دار الإسلام فيه، إلا أن إرادة الله الحاكمة قد جرت على وفق علم الله تعالى وحكمته {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} إلى غير هذا المسار، وهو تفتيتُ هذه المركزية وإضعافها، وكل محاولات الجماعات الجهادية في إقامة «دولةٍ» إسلامية، أو «إمارةٍ» إسلامية بائَت بالفشل، ومن تَفَكَّر في هذه المسارعة، وهي الذهاب سراعًا إلى تسمية دولة إسلامية كان وجهه الدخول في لعبة العدو ومساحته وخطوط صراعه، بل الأمر كان على وجه ما قاله أبو بكر بن العربي عن أبي حامد الغزالي:"دخل في جوف الفلاسفة ولم يستطع الخروج."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت