المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( وهزم الأحزاب وحدَه ) )فهذه طريقٌ شاقّة، لكنها مستقيمةٌ وموصِلة، والطرق لا تُحمَد إلا بهذا المعنى، أي أنها حقٌّ في ذاتها وموصِلةٌ لمقاصد أهلها، وما ضلال أهل البدع إلا في الغفلة والإعراض عن هذا المعنى، وما صنائع طائفة الحق مع ما يلاقونه إلا التزامًا بهذا الطريق الذي امتلأ بالشهداء والبذل والعطاء لكنه صار إلى نعمة ما حلم بها أهلها قط حتى في مناماتهم، ولقد كانت الوعود بالوصول إلى الأرض المباركة ليتحقق الجهاد على أطرافها تأهيلًا لولوجها إن شاء الله تعالى غيبًا مخفيًا، يعيشه المجاهدون في كل المواطن السابقة أملًا يداعب أرواحهم وعقولهم، ولقد كانوا يقفون من الوعود موقف التسليم والتصديق دون إدراك كيفيتها، ولا كيف ستؤول هذه المواطن إلى قطراتٍ تتسارعُ ثم تتجمع فتأوي إلى عقر دار الإسلام بلاد الشام وهذا شأن الإيمان بالغيب كله، ثم تسير الأقدار سيرها السُنَني المربوط بيد الله تعالى حتى تقع برحمة الله ولطفه،
ومن تأمل قصة يوسف - عليه السلام - فإنه سيرى أن جماع تلك القصة الربانية الجليلة هو ما افتتحت به بقوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} يقولها الله تعالى في بداية السير نحو الوعد بكماله، فإن الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وما يقع من الأقدار الغالبة للمبتلى في أول الطريق لا تعني عجز الناصر الوكيل، لكنها المحن التي تقع على اليقين ليرقى أو ينتكس، فالله غالب على أمره، حتى ووليه وصفيه ومجتباه في الضعف والقيد والأسر، وما يقع له ليس بغير إذنه القدري جل في علاه، ولذلك كانت المقدمة ليوسف عليه السلام مع البلاء والضعف والأسر والدخول في معنى البضاعة التي تباع وتشترى هي قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} ، ثم لما كانت العاقبة التي سرت على وجه خفي لا يعرف الناس منها إلا الظواهر كان قول يوسف - عليه السلام: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} ، فمراد الرب في العبيد يجري على وجه اللطف الذي لا يدرك يد الله منها إلا أهل الفكرة التي قال الله فيهم: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وأما غيرهم فهم دواب وبهائم لا ينظرون إلا إلى الظواهر كما قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، ولذلك سرت أقدار الله وكأن شأنها أبعد ما يكون عن ارتباطها بيوسف - عليه السلام -، ثم جرى من مرحلة إلى مرحلة، أدرك يوسف عليه السلام سر خفائها لقوله: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} ، وهاتان الآيتان هما حدّ قصة هذا النبي العظيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتَمُّ التسليم.
وهذا القدر الإلهي في الخفاء والارتقاء صعدًا حتى تتحقق الوعود الإلهية جرى مع أهل الجهاد على وجهٍ لا يدرك سره إلا من عاش الظروف، وكان منذ بدايتها يرجوهذه العاقبة العظيمة بوصول مقاماته إلى هذا المستوى المحبوب لدى كل عاملٍ بحق لدين الله تعالى، ولقد كان أهل الجهاد والبصيرة يرون أن كل حجرٍ ولَبنةً تُبنى في شأن الجهاد سيصل مستقرها إلى عقر دار الإسلام وزوال دولة يهود كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ) )، وكذلك خبره بوجود أجنادٍ في اليمن والشام والعراق، مع توصيته