السُنَنيّة في الوصول إليها، ولو لم يقع كل هذا لصرخ أصحاب الجهالات أن طُرَق الباطل موصلةٌ لعِزَّة الحق، وإن من أعظم ما يحبه الله تعالى ويرضاه هو جلاء الجُبن بلا خفاء، وتميُّزه عن الباطل بلا اختلاط، لأن هذا ما يحقق الشهادة والحُجّة على الخلق، ومع أن المرء كان من أمانيه أن يدوم تمكين أهل البدع لا لحقٍ هم يقيمون عليه، بل لظنه الحسن فيهم أن لهم من الإرادات ما ينصرون به الدين، لكنها ظنونٌ لا تمت إلى واقعهم بصلة، فما ازداد القوم إلا جهالةً، فذهابهم خيرٌ لدينهم ودين الناس في العاقبة، لما سيفزع الناس بعد ذلك إلى سلوك طريق الحق من التمايز عن الزنادقة والكافرين، وإلى معرفة الكفر على حقيقته، فإن جهالات أهل الإسلام تقبل بمجاورتهم لكنهم هم لا يقبلون بهذه المجاورة، وليس لهؤلاء إلا قوله تعالى: {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} والآمر بذلك وهو الله تعالى يعلم حقائق خصوم الحق أكثر من هؤلاء المُتهَوّكين الجهلة، كما أن الصادق من هؤلاء، إن كان فيهم مُنصف ومُعتَبَر سيجد أن السبيل الوحيد هو جهاد طوائف الردّة كما هو سبيل أهل الحق منذ زمن.
مقابل هذه الصورة من قتامة الباطل والبدعة، ومن مآلاتهما السُنَنيّة التي لا تتحول ولا تتبدل نجد عصبة الحق والهدى ممن بَشَّرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بدوامها على مر الأزمان وتفرق الأحوال، بقوله الشريف: (( لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرها من خذلها ولا من خالفها ) )تقوم بما أوجب الله تعالى على الأنبياء وأتباعهم من التزام الحق والاهتداء به، وعدم المَحيد عنه مع كل التكاليف والمشاق التي توجب الصبر كما قال تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} ، فهذان أمران جليلان للحبيب المصطفى وللسائرين على دربه القويم؛ الإتبّاع والصبر، وأمر الإتبّاع موجهٌ إلى أحكم الخلق وأهدى القلوب وأطهر النفوس؛ يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ لم يترك له أمرالطريق ليجتهد فيه أو يُعمل فيه رأيه، وهو القائل له جلَّ في علاه: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} وكذلك: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} وهو في ذلك يقصد تقريب القلوب الصادة المُعرضة إلى الحق فيما يجتهد ويرى لما يعلم الله تعالى من قلبه في قوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} وقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} فهذا الحرص النبوي على الخلق بأن يتبعوا الحق ويهتدوا به لم يكن ليُجيز له أن يميل إلى طرقهم أو أن يتنازل عن قيمةٍ واحدةٍ من قيم أهل الحق، وعدّ هذا من المهادنة السيئة التي يحرم ممارستها.
لقد كان من أبجديات الدعوة النبوية ومنذ بداية سطورها تأهيل المؤمن لصياغة العالم كله على قيم الإيمان دون قيم الجاهلية، وهذا لا يتأتى إلا بقطع حبال الجاهلية كلها، صغيرها وكبيرها، فكيف بالتوحيد ومسائله العظمى التي يداهن بها هؤلاء المتهوكون هذه الأيام؟ وإن من هداية الإيمان لأهله لتحقيق قيادة العالم كله حصول التمايز عن الباطل وهجره ومعاداته وكشف ضلاله، وهذا مما يصنع الخصومة بين الفريقين، ويؤجج العداوة التي تحقق الصدام والقتال فتكون العاقبة للإيمان، وهي عاقبة إن حصلت؛ وحصولها وعدٌ إلهي تجعل نسبة نعمة التمكين فضلًا إلهيًا لا دخل للبشر فيه حتى القائمين عليه من أهله، وهو ما قاله الحبيب