يصيروا أعداء الرفاق بالأمس، وهي تجربةٌ بدأت بالباقوري ولن تنتهي بكمال الهلباوي، فإن علمت هذا أيقنت أن الشيء من معدنه لا يستغرب.
ولقد أرادوا وحدةً وطنية لا إيمان فيها، ولا تحكيمٌ لشرع الله تعالى، فحُرِموا التوفيق والسداد، ولو اعتصموا بحبل الله تعالى لكان لعهد الله تعالى لمثل هذا الأمر شأن آخر يعلمه أهل الإيمان وتبسطه قصص القرآن. أما أهل الشعارات البراقة السلفية، فلقد تبين للمنصف أنها مجرد ستائر رقيقة لا تنفع إلا للخداع، فالناس لهم شأن فيما مضى بيانه من كلام السابقين المهديين، أما إدراك هداية الله تعالى للوقائع والنوازل الحاضرة فليس إلا الضلال كغيرهم من الناس، فالشعارات لا تُنجي أصحابها من الانحراف، ولا أدري كيف تقبل الأُمَّة الانخداع بالشعارات في العمل السياسي والجهادي. فهل كان لأصحاب هذا الشعار تميزٌ عن غيرهم في غمرات المحن التي أَلَمَّت بالأُمَّة أم أن الكل في سبيلٍ واحد؟
لقد ذهبت دعوى إتهام الخصوم أنهم أهل تميُّعٍ وعدم إهتمامٍ بالتربية والتنازل عن المبادئ، إذ صار هؤلاء أكثر تميُّعًا، بل مالوا للباطل الصريح دون المختلط به مع غيره، بل أصابهم من التنازع على المناصب ما أصاب غيرهم، وذهب فقه الموازنة بين الحسنة والسيئة إلى الركون إلى السيئة بكل ضلالها وفسادها، وإن بعض العلامات تدل أن هؤلاء مجرد بيادق بيد غيرهم يصرخون على الجهة التي يذهبون اليها، أما مشايخ الوعظ وهم كثر، بل لا أظن أن زمنًا في التاريخ الإسلامي مضى وفيه هذه الكثرة، فقد تبين للمبصر أن المخلص منهم غير مهتدي، لا يدري ما يقول عند احتلال الظلم، وأما الكثير منهم فهم أهل راتبٍ ووظيفة، يبكون ويصرخون عند الإذن، ويسكتون عند المنع، ولا يغرنك بكاؤهم اليوم على جرائم الأسد في سورية، فإن بكاءهم مأذونٌ فيه، ولو كانوا على دينٍ يدفع لهذا لبكوا أكثر على جرائم الأمريكان في العراق وأفغانستان، لكنها الأُذون التي يقتادون بأمرها، وإن بعضهم الذي يحسن فن الكلام في جانب هو من أثر الإسلام لا من صلبه، لما جاء الأمر إلى حقيقة التوحيد وذهب مذهب أهل الجاهلية الصريحة، مع أن أمثاله قبل أيام من سقوط الطاغوت كان معه بقده وقديده، نعوذ بالله من الخذلان، ومن كان كذلك فماذا يرجى منه من الهداية في مضايق الطرق ومشاقها؟
وعلى كلِّ حال فهذا شأن من صحا من نومه بعد سبات طويل، أو شأن من جرى على منوال البدعة ولم يُعد دراسة الحق ليأوب إليه بعد هجرانه.
هذه الصورة ليست إلا نموذج متكرر في سنن الابتلاء كما قال تعالى على لسان موسى - عليه السلام - لقومه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} وإن من نعم الله تعالى على الخلق أن يعاقبهم في الدنيا لتحصل الهداية لمن صدق معه واتَّبَع السبل