الصفحة 20 من 100

وقد كانت الأمة رائدة قائدة عند ما كان غرتَها العلماءُ وطليعتَها الراسخون وحاميتها المجتهدون وكان الموفق من قادة الأمة من يصغى إلى نصحهم ويعمل بمشورتهم ويعرف مراتبهم وأقدارهم وينزل كلاًّ منهم منزلته اللائقة ولا يروج عليه بهرج الدعاوى العريضة.

بل: تعدى وعظ أهل العلم عصوروهم وأمصارهم مخترقًا حواجز الزمان ومن ذلك ما قاله بعض الفضلاء:

مررت بقبر ابن المبارك غدوة * فأوسعني وعظًا وليس بناطق

وقد كنت بالعلم الذي في جوانحي * غنِيًّا وبالشيب الذي في مفارقي

ولكن أرى الذكرى تنبه عاقلًا * إذا هي جاءت من رجال الحقائق

ثم بدأ الناس ينسلخون عن تلك المعاني بتصدير الجهال وتزكيتهم، فتقدم المحافلَ من تعالَم قبل أن يتعلم وتزبَّب قبل أن يتحصرم، وتصدر قبل أن يتبحر (فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلو) .

ولأنه لا يقدر قدر أهل العلم إلا أهل العلم فلا ينتظر ممن ذلك حاله إلا أن يعيِّر مادرُه حاتمَه بالبخل ويعيِّر سهاه شمسه بالظلمة ويعيرَ باقلُه قسّه بالعيِّ والحَصَر.

إذا وصف الطّائيَّ بالبخل مادرٌ * وعيّر قسًا بالفهاهة باقلُ

وقال السُّهى للشمس أنت ضئيلةٌ * وقال الدُّجى للصُّبح لونك حائل

وطاولتِ الأرض السَّماء سفاهةً * وفاخرت الشُّهب الحصى والجنادل

فياموت زُر إن الحياة ذميمةٌ * ويا نفس جدّي إن دهرك هازل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت